في
الجمعة 4 شعبان 1439 / 20 أبريل 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الخطب المكتوبة والرسائل
رسائل الشيخ
الرسالة الحادية عشرة/ تفسير سورة الفاتحة

الرسالة الحادية عشرة/ تفسير سورة الفاتحة
09-13-1430 04:25 AM

[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تفسير سورة الفاتحة


قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ قال في المحرر: إذا أردت أن تقرأ وشرعت، فأوقع الماضي موقع المستقبل لثبوته.
ومعنى الاستعاذة: الاستجارة والتحيز إلى شيء على معنى الامتناع به من المكروه. فمعنى «أعوذ» ألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا «الله» .
«وأما الشيطان» فهو مشتق من «فيعال» من شطن إذا بَعُدَ؛ لأنه بعد عن الخير ورحمة الله.
«أما الرجيم» فهو فعيل بمعنى مفعول، كقتيل وجريح ونحوه، ومعناه أنه رجيم باللعنة والمقت وعدم الرحمة.
وقوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ الباء في ﴿ بسم الله ﴾ متعلقة عند نحاة البصرة باسم تقديره ابتداء مستقر أو ثابت ﴿ بسم الله ﴾.
وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره وابتدأت ﴿ بسم الله ﴾.
فـ ﴿ بسم الله ﴾ في موضع رفع على مذهب البصريين، وفي موضع نصب على مذهب الكوفيين.
واختار كثير من المتأخرين كونه فعلا خاصا متأخرا، أما كونه فعلا فلأن الأصل في العمل للأفعال، وأما الأسماء فلا تعمل إلا بشرط.
وأما كونه خاصا فلأن كل مبتدئ بالبسملة في أمر يضمر ما جعل البسملة مبدأ له.
فمثلاً: الذي يريد أن يقرأ يضمر «أقرأ» أي: بسم الله أقرأ، والذي يريد أن يأكل يضمر «آكل» أي بسم الله آكل وهكذا، فهذا معنى كونه خاصا؛ لأن تقديره: ﴿ بسم الله ﴾ ابتدئ عامٌّ لا يدل على تعيين المقصود.
وأما كونه متأخرا فلدلالته على الاختصاص، وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود، ولأن أهم ما يبدأ به ذكر الله تعالى.

فإن قال قائل: ما معنى متأخر؟
الجـواب: أنك تضمر الفعل متأخرا «فلا تقول: أقرأ بسم الله» ولكن تقول: «بسم الله أقرأ» .
فإن قال قائل: ما هو الأرجح في هذه المسألة؟
فالجواب: الأرجح عندي أنها متعلقة بفعل لما تقدم، وحذف العامل له فوائد: منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه غير ذكر الله.
ومنها: أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالبسملة في كل عمل وقول وحركة، فكان الحذف أعم.
وباء بسم الله للمصاحبة( )، وقيل: للاستعانة والتبرك فيكون التقدير: «ابتدئ حال كوني مستعينا بذكره متبركا به».
وأما ظهوره في: ﴿ اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ فلأن المقام يقتضي ذلك.
وحذفت الألف من «بسم الله» في الخط اختصارا وتخفيفا لكثرة الاستعمال، وأما إذا كتب «بسم الرحمن وباسم القاهر» فقال الكسائي والأخفش: «تحذف الألف» وقال يحيى بن زياد: لا تحذف إلا مع بسم الله فقط لكثرة الاستعمال فيه.
«والاسم» عند البصريين مشتق من السمو.
وقال الكوفيون أصل اسم، «وسم» من السمة وهي العلامة؛ لأن الاسم علامة لمن وضع له.

سورة الفاتحة

قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾.
الألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد.
فـ ﴿ الْحَمْدُ﴾ هو ذكر صفات المحمود والثناء الكامل عليه مع حبه وتعظيمه وإجلاله، فإن تجرد عن الحب فهو مدح.
فالفرق بينهما: أن الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا من حب، أو مقرونا بحبه، فإن كان الأول فهو مدح، وإن كان الثاني فهو الحمد.
فمثلاً: إذا أثنى إنسان على رجل وقال: إنه رجل جميل كريم وهو لا يحبه فهذا لا يسمى حمدًا، وإنما يسمى مدحًا.
فإن قال ذلك وهو يحبه فهو يحمده.
وأما الفرق بين الحمد والشكر؛ فإنَّ الحمد أعم من جهة أسبابه، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ لأنَّ الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، فمن هذا الوجه يكون الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فإنَّ الله تعالى يحمد على ما لهُ من الأسماء الحسنى، والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى.
مثال ذلك إنسان قال: إنَّ هذا الرَّجل «جميل» فهذه صفة لازمة، فإذا زاد وقال: «إنه كريم» فهذه صفة متعدية؛ لأنَّ الكريم يتعدى نفعه إلى غيره، فإذا قال ذلك وهو يحبه فإنه يحمده، وهذا معنى قولنا: «أعم من جهة أسبابه» لأنَّه لا بد أن يكون بصفة لازمة ومتعدية، وأما معنى قولنا: «أخص من جهة أنواعه» فلأنَّه يتحقق الحمد إذا أحبه بقلبه وأثنى عليه بلسانه.
فالحمد يكون على الصفات اللازمة والمتعدية.
وأما الشكر فإنه يكون على الصفات المتعدية فقط، أي: فلا يكون إلاَّ على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه، وأعم من الحمد من جهة أنواعه؛ لكونه يكون بالقلب واللسان وجميع الجوارح، قال تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾.
مثال ذلك إذا قال إنسان: إنَّ هذا الرجل «كريم» فقط، فهذه صفة متعدية، وهذا معنى قولنا: «أخص من جهة أسبابه» لأنَّه لم يذكر إلا سببًا واحدًا، وهي الصفة المتعدية، وأما معنى أنَّ الشكر أعم من جهة أنواعه فلأنه لا يتحقق الشكر إلا إذا اعترف بمعروف هذا بقلبه، وأثنى عليه بلسانه وعمل عملاً له بجوارحه.
وقد ذكر سبحانه لحمده ظرفًا مكانيًا وزمانيًا.
فذكر في سورة الروم أنَّ من ظروفه المكانية السموات والأرض قال تعالى: ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾.
وذكر في سورة القصص أنَّ من ظروفه الزمانية الدنيا والآخرة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ ﴾.
فقوله سبحانه: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ هو ثناء أثنى به تعالى على نفسه، وفي ضمنه أمر عبادة أن يثنوا عليه به، فكأنه قال: (قولوا الحمد لله) وفي الحديث: اللهم لك الحمد كله... الحديث.
فلفظه خبر، كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو الله عز وجل وفيه تعليم للخلق، تقديره: قولوا: الحمد لله.
قوله: ﴿ لِلَّهِ ﴾ اللام للاختصاص وللاستحقاق والملك، أي: المختص بالحمد الكامل المستحق له والمالك له هو «الله» جل وعلا.
قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ ﴾ الله عَلَم على الرب تبارك وتعالى ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
واختلف النَّاس في اشتقاق اسم «الله» فقالت فرقة من أهل العلم: هو «اسم مرتجل» لا اشتقاق له من «فعل» وإنما هو اسم موضوع له تبارك وتعالى، والألف واللام لازمة له لا لتعريف ولا لغيره، بل هكذا وضع الاسم فتقول: «يا الله» ولا تقول: «يا الرَّحمن» فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام.
وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه مشتق من أله الرَّجل إذا عبد، وتأله إذا تنسك، ومن ذلك قول رؤبة:
لله در الغانيات المده( )
*** سبحن واسترجعن من تألهي

كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ ﴾ مع قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له.
فإن قال قائل: ما هو الأرجح في هذه المسألة؟
الجـواب: الأرجح - والله أعلم - أنه مشتق.
ومعنى أله يأله إلهة، أي عبد يعبد عبادة.
فالله سبحانه المألوه، أي: المعبود.
قال ابن القيم – رحمه الله- الصحيح أنه مشتق، وأنَّ أصله الإله كما قال سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذَّ، وهو الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العلى.
والذين قالوا بالاشتقاق إنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي إلهيته كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم والقدير والسميع.
فإنَّ هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة، ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى.
لا أنها متولدة منه تولد الفرع من أصله.
وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلاً وفرعًا ليس معناه أن أحدهما متولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة.
قال أبو جعفر بن جرير: «الله» أصله: «الإله» أسقطت الهمزة التي هي فاء الاسم فالتقت اللام التي هي عين الاسم واللام الزائدة، وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة.
قال ابن القيم –رحمه الله-: «فاسم الله» دل على كونه مألوهًا معبودًا، يألهه الخلائق محبة وتعظيمًا وخضوعًا ومفزعًا إليه في الحوائج والنوائب.
فإذا قال لك قائل: ما معنى «الله»؟ فقل: هو: «الإله» فإن قال: ما معنى «الإله»؟ فقل: هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة وإجلالاً ومحبة وخوفًا ورجاء.
قوله: ﴿ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ الرَّب في اللغة المعبود والسيد والمالك والقائم بالأمور المصلح لما يفسد منها، تأتي اللفظة لهذه المعاني، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى.
ولا يستعمل «الرَّب» لغير الله، فلا يقال إلا لله عز وجل، وأما إذا كان بالإضافة فجائز.
مثال ذلك أن تقول: «رب الدار، ورب الدابة» ونحو ذلك فهذا جائز.
وتربية الله عز وجل عام وخاصة.
فالعامة هي خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه.
مثال ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر المؤمنين رباهم سبحانه تربية خاصة وعامة.
وأما أبو جهل وسائر من كفر به من خلقه فرباهم تربية عامة، وأعرضوا عن التربية الخاصة.
﴿الْعَالَمِينَ ﴾ جمع عالم، واشتقاق العالم من العلامة؛ لأنَّ وجود العالم علامة لاشك فيها على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته متصفًا بصفات الكمال والجلال.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ والآية في اللغة العلامة، ولفظة «العالم» جمع لا واحد له من لفظه، وهو مأخوذ من العلم والعلامة؛ لأنه يدل على موجده.
﴿العَالَمِينَ ﴾ جميع ما خلق الله؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ (23)قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴾.
ومن العلماء من قال: هم الجن والإنس؛ لأنهم المكلفون بالخطاب لقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾.
فإن قال قائل: ما هو الأرجح في هذه المسألة؟
فالجواب: الأرجح عندي هو القول الأول، والعلم عند الله تعالى.
وقد استدل خليل الرَّحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام على وجود الخالق بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وإماتتها على وجود فاعل ذلك وعلى تسيير الشمس وتسخيرها كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.
وكذلك ذكر الله عز وجل ما كان بين موسى وفرعون من المقاولة والمحاجة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية بقوله سبحانه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ (23)قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (24)قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ (25)قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (26)قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقد ذكر الله عزَّ وجل نحو ذلك في كثير من كلامه سبحانه.
كقوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ ﴾
ونقل عن مالك رحمه الله تعالى أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات.
وعن أبي حنيفة رحمه الله أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي – رحمه الله تعالى- أنه سئل عن وجود الخالق عز وجل فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاء والبقر وغيرها فتلقيه بعرًا وروثًا، وتأكله الظباء فيخرج منه المسك، وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد –رحمه الله- أنه سئل عن ذلك فقال: ههنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الديك.
وسئل بعض الأعراب عن هذا وما الدليل على وجود الرَّب تعالى فقال: يا سبحان الله؛ إن البعر ليدل على البعير، وإنَّ أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما وصفان لله تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى مشتقان من الرَّحمة على وجه المبالغة.
وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة الرَّحمة لله على ما يليق بجلاله وعظمته لقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾.
خلافًا لمذهب المبتدعة الذين يؤولون صفتي: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ بإرادة الإنعام، أو بإرادة الخير.
﴿ الرَّحْمَنِ﴾ أشد مبالغة من ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ لأنَّ الرَّحمن هو ذو الرَّحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وقيل: ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ بالمؤمنين في الآخرة ويوم القيامة وفي الدنيا أيضًا لما جاء في الدعاء المأثور من قوله ﷺ: «رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما» فهذا يدل على أن الرحيم عام للمؤمنين في الدنيا والآخرة.
ومن الأدلة على أن ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ رحمة عامة شاملة لجميع الخلائق في الدنيا قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وقال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ فذكر الاستواء باسمه الرَّحمن ليعم جميع خلقه برحمته، ومثله قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ ﴾ أي: ومن رحمانيته لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
فالرحمن صفة مبالغة من الرحمة، وهي صفة تختص بالله ولا تطلق على أحد من البشر.
يقال «راحم» لمن رحم ولو مرة واحدة «ورحيم» لمن كثر منه ذلك و «الرحمن» لمن بلغ في الرحمة نهايتها، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أعم في المعنى وأخص في اللفظ من الرحيم.
و ﴿الرَّحِيمِ﴾ أعم في اللفظ وأخص في المعنى من الرحمن، فإن قال قائل: ما معنى ذلك؟
الجواب: أن تقول: ﴿ الرَّحْمَنُ﴾ أعم في المعنى أي أن ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ رحمة شاملة للمؤمن والكافر، ولجميع من خلق الله من ناطق وصامت في الدنيا.
وأما معنى: «أخص في اللفظ» فمعناه أنه لا يسمى ولا يوصف بـ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ إلا الله تعالى.
فإن قال قائل: إنه جاء عن بني حنيفة في مسيلمة: «رحمن اليمامة»؟
فالجواب: إن هذا من تعنت الكفار في الكفر فلا يستدل به.
وأما ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ فإنه عام في اللفظ أي يوصف به المخلوق، وأخص في المعنى أي أن الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إضافة اسم الفاعل إلى الظرف اتساع وإجراء للظرف مجرى المفعول به، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام.
قال الضحاك: عن ابن عباس: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يقول: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا.
﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ حكى أهل اللغة: دنته بفعله دينا بفتح الدال، ودينا بكسرها جزيته، وقيل: الدين المصدر والدين بكسر الدال الاسم، وهو يوم الجزاء والحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وقال: ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾.
وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا ولا يتكلم أحدٌ إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفاًّ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾.
وقال تعالى: ﴿ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ وقال تعالى: ﴿ َوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾.
قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ﴿ إِيَّاكَ ﴾ كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر، ويستعمل مقدمًا على الفعل، فيقال: إياك أعني، وإياك أسأل، ولا يستعمل مؤخرًا إلا منفصلاً فيقال: ما عنيت إلا إياك.
قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ أي نخلص العبادة لك ونوحدك بدعائنا وسؤالنا واستغاثتنا وخوفنا ورجائنا ومحبتنا واستعاذتنا واستعانتنا وذبحنا ونذرنا وركوعنا وسجودنا، وكل ما تحبه وترضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة نخلصه لك وحدك سبحانك ولا نشرك بذلك أحدًا لا ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلاً فضلاً عن غيرهما، ونطيعك خاضعين ذليلين محبين لك خائفين راجين، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع والمحبة، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده، يقال: طريق مُعَبَّد أي مذلل.
ولا يكون الإنسان عابدًا لله حقًا حتى يخلص له العبادة، ويتبرأ من عبادة ما سواه ويعتقد بطلانها، ويبغضها ويبغض صاحبها ويعاديه غضبًا لله لا لهواه بل عملاً بقوله تعالى: ﴿ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى ﴾ ولقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.
وهذا هو الإسلام الصحيح أي الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.
قوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمور ديننا ودنيانا، متوكلين عليك وحدك متبرئين من الحول والقوة إلا بك فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
وإن من الناس من يتوكل على الله في أمور دينه فقط، وهذا توكل ناقص، ومنهم من يتوكل على الله في أمور دنياه فقط، وهذا أيضًا توكل ناقص، ومنهم من يتوكل على الله في بعض أمور دينه أو في بعض أمور دنياه أو في حاجة واحدة، وهذا غلط ونقص في التوكل، والحق أن يتوكل العبد على الله في جميع أمور دينه ودنياه.
وتقديم المعمول أي: ﴿ وَإِيَّاكَ﴾ وتكريره للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إيَّاك، ولا نتوكل إلا عليك، وهو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين.
وإن من المؤسف والمحزن أن بعضًا ممن ينتسب إلى الإسلام في زماننا يقرؤون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ في صلاتهم وفي غيرها ولكن ما ينتبهون لمعناها، فلا يخلصون العبادة لله تعالى وحده، بل يشركون في العبادة بدعائهم مع الله آلهة أخرى، كمن يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم ويستغيث به، أو يدعو الحسين أو عبد القادر الجيلاني، أو البدوي، أو زينب أو العيدروس.
فيقول: «يا بدوي» الغوثَ أو المدد أو انصرني أو أغثني أو أنا في حسبك ونحو ذلك، هذا كله من الشرك الأكبر والذنب الذي لا يغفر لمن مات على ذلك.
وكذا الذي يذبح لغير الله من الجن والكواكب والأموات، كمن يذبح للبدوي ونحوه.
ولا ريب أنَّ من يصلي وحالته هذه فصلاته باطلة، ومثله الذي يصلي بغير وضوء وثيابه نجسة صلاته باطلة، لكن الذي يصلي بوضوء وثيابه طاهرة ولم يتطهر من الشرك الأكبر أسوأ حالاً وأبطل عملاً وأحبط من الذي يصلي بغير وضوء وهو ليس بمشرك.
فإن قال قائل: الذي يذبح للأموات ويستغيث بهم وهو يدعي الإسلام ويصلي الصلوات الخمس ويصوم ويحج، هل هذا مسلم أم مشرك؟
الجـواب: نقول إنه مشرك بالله، عابد مع الله غيره، ولو صلَّى وصام، فإنَّ هذا هو شرك المشركين الذين قاتلهم الرَّسول صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ الهداية على نوعين:
النوع الأول: هداية الدلالة والإرشاد والبيان وضده الضلال.
النوع الثاني: هداية التوفيق والإلهام والتثبيت وضدها الغي.
فمن النوع «الأول» قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾.
وأما النوع «الثاني» : فكقوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ﴾ فهذه هي هداية التوفيق والإلهام.
فمثلاً: عمر رضي الله عنه هداه الله الهدايتين، وأبو جهل هداه الأولى وأعرض عن الثانية.
فقوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ بمعنى الهدايتين، أي: دلنا وأرشدنا وثبتنا ووفقنا وأعطنا، وهذا معنى ألهمنا، وهذا دعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية فهو أيضًا طلب مزيد من الهداية وتثبيت عليها؛ لأنَّ مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
﴿الصِّرَاطَ﴾: أصله في اللغة الطريق الواضح.
وفي الشرع: قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: الإسلام، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو القرآن، وقال بكر بن عبد الله المزني: طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قال قائل: ما هو الأرجح في هذه المسألة؟
فالجواب: أن كل ذلك حق؛ فالصراط هو الإسلام والقرآن والرسول؛ لأنَّ من اتبع الإسلام اتبع القرآن والرسول، ومن اتبع القرآن اتبع الإسلام والرسول، ومن اتبع الرسول اتبع الإسلام والقرآن؛ فمن استقام وثبت على الصراط المستقيم (المعنوي) في الدنيا فإنه يثبت ويستقيم على الصراط (الحسي) في الآخرة.
﴿ المُسْتَقِيمَ﴾ الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح ودخول الجنة.
قوله: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ مفسر للصراط المستقيم وهو بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.
وفي قوله تعالى: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ دليل على أن الهداية إلى الصراط المستقيم نعمة من الله وفضل ومنة يمن بها على من يشاء من عباده فلا يعجب العبد بعمله وطاعته.
كما في قوله تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾.
والذين أنعم الله عليهم هو المذكورون في سورة النساء حيث قال تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً ﴾.
فعلى المسلم إذا قرأ هذا أن يستحضر هذا الدعاء بقلب حاضر موقن بالإجابة، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق، وذلك فيما روى الإمام أحمد وأبو داود عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثِنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترقُ على ثلاث وسبعين ملَّة –يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» .
والأمة المذكورة في هذا الحديث هي أمة الإجابة.
وقوله: ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾.
«المغضوب عليهم» اليهود، و «الضالون» النصارى؛ لحديث عدي بن حاتم الذي رواه أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: «إن المغضوب عليه» اليهود و«الضالون» النصارى. الحديث.
واليهود والنصارى - وإن كانوا ضالين جميعًا مغضوبًا عليهم جميعًا- لكن إنما اختص الغضب باليهود - وإن شاركهم النصارى فيه- لأنهم يعرفون الحق وينكرونه، ويأتون الباطل عمدًا فكان الغضب أخص صفاتهم.
والنصارى جهلة لا يعرفون الحق فكان الضلال أخص صفاتهم، والذي يدل على أنَّ المغضوب عليهم اليهود قوله تعالى فيهم: ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ الآية. وقوله تعالى فيهم أيضًا: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ الآية.
وفي هذا دليل على إثبات صفة الغضب، وأن الله تعالى يغضب غضبًا يليق بجلاله وعظمته، خلافًا لمن أوَّل ذلك بتأويل باطل.
والذي يدل على أنَّ «الضالين» هم النصارى قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾.
والمعنى والله تعالى أعلم: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسوله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق.
فيجب على المسلم أن يبغض اليهود والنصارى وأن يعاديهم ويعتقد بطلان ما هم عليه ولا يبدأهم بالسلام، ففي الحديث: «لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» رواه مسلم.
واعلم يا أخي، ألهمك الله رشدك ووفقك لكل خير وهدى أنَّ الذي يفتح لك الباب في فهم الفاتحة حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقول الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل» فإذا قال العبد: ﴿ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مَجَّدَنِي عبدي، فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.


مشروعية التأمين
يسن للإمام والمأموم والمنفرد أن يأمنوا عقب قراءة الفاتحة، بل استحب العلماء تأمين الإمام والمأموم معًا؛ لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمَّن الإمام فأمَّنوا؛ فإنَّ من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» وفيه رواية: «إذا قال الإمام: ولا الضَّالين فقولوا: آمين؛ فإنَّ الملائكة تقول: آمين، وإنَّ الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
وآمين ليست من الفاتحة، لكنها تأمينٌ على الدعاء، معناها: اللهم استجب.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات .
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2981


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (29 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.