في
السبت 3 جمادى الأول 1439 / 20 يناير 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الخطب المكتوبة والرسائل
رسائل الشيخ
الرسالة العاشرة/ أحكام الصيام

الرسالة العاشرة/ أحكام الصيام
09-13-1430 04:04 AM

[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أحكام الصيام


الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد.
فإن الصيام في اللغة هو: مجرد الإمساك، يقال للساكت صائم؛ لإمساكه عن الكلام، ومنه: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنسِياًّ﴾ [مريم].
وشرعاً: إمساك بنية التعبد لله وحده عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص، فمعنى «إمساك بنية» لأن العمل لا يجزئ بدون النية.
والنية: هي القصد، وفي الشرع: العزم على فعل العبادة طاعة لله وتقرباً إليه وطلباً لمرضاته، وتنقسم إلى قسمين:
1- نية المعمول له. 2- نية العمل.
فأما نية المعمول له: فهي أن تخلص عملك في هذه العبادة لله وحده لا شريك له، فلا تشرك مع الله أحدا، لا شركا أكبر، ولا شركا أصغر في قولك وعملك كيسير الرياء.
نسأل الله أن يعيننا على الإخلاص لوجهه الكريم؛ لأنه إذا خالط هذه النية نية لغير الله بطلت، لما جاء في الحديث القدسي: إن الله تعالى قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
وأما «نية العمل» فهي التي تتميز بها العبادة عن العادة، وتتميز بها العبادات بعضها عن بعض، فينوي مثلا أن يصوم غدا فريضة، أو نافلة، وهكذا.
ونية العمل قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» .
والنية محلها القلب، فليست من أعمال الجوارح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» .
ولهذا نقول: «إن التلفظ بها بدعة» فلا يسن للإنسان إذا أراد مثلا أن يصوم أن يقول: نويت أن أصوم هذا اليوم فرضا أو نفلا، لا يسن ذلك لا سرا ولا جهرا؛ لأن هذا لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن النية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة.
فإن قال قائل: متى تجب النية في الصوم؟
فالجـواب: يجب تعيين النية من الليل في الصوم الواجب، وذلك بأن يعتقد أن يصوم هذا اليوم الواجب عليه أو الشهر كشهر رمضان.
ولا فرق: نوى من أول الليل أو وسطه أو آخره، ولو قبل طلوع الفجر بدقيقة مثلا فأي جزء نوى فيه أجزاء؛ لأن النية لا تنعطف على الماضي، فإذا فات جزء من النهار ولم توجد فيه (أي النية) لم يصح صوم ذلك اليوم الذي فات جزء منه.
ومن الصوم الواجب: ما ثبت في الذمة من الصوم، كقضاء رمضان، وكقضاء النذور والكفارات لا يصح صومه إلا بنية من الليل؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» .
ولما روى الخمسة عن ابن عمر وحفصة مرفوعا: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» .
أما صوم النفل: فيصح بنية من الزوال، بشرط أنه ما وجد مناف غير نية الإفطار، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا، قال: «فإني إذا صائم» رواه البخاري.
كما أن الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان كالقيام والاستقرار على الأرض ما لا يجب في التطوع توسيعا من الله على عباده طرق التطوع، فإن أنواع التطوعات دائما أوسع من أنواع المفروضات.
فإن قال قائل: هل يثاب من نوى الصوم في أثناء النهار عن اليوم من أوله؟
فالجواب: هو أن العلماء قالوا: ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقتها –أي النية- إذ ليس للمرء إلا ما نوى؛ لأن ما قبل النية لم يوجد فيه قصد القربة فلا يقع عبادةً. والله تعالى أعلم.
فإن قال قائل: ما معنى قول بعض العلماء –رحمه الله تعالى-: ومن نوى الإفطار أفطر؟
فالجواب هو: أي صار كمن لم ينو؛ لقطع النية، فكأنه لم يأت به ابتداء كصلاته.
فمثلاً إذا جزم الصائم على قطع نية الصوم وقطعها فإن صومه يبطل؛ لأن النية بطلت، وإذا بطلت النية بطل العمل، ومثله سائر العبادات إلا الحج والعمرة إذا أحرم بهما، فإنه لو رفض إحرامه أي قطع نية إحرامه وأبطلها فإنه يجب إتمامه، إلا إن كان مشترطا إن حبسه حابس وحبسه حابس فله ذلك؛ لحديث: «واشترطي فإن لك على ربك ما استثنيت...» الحديث.
وبعض العلماء يرى أن الصوم يخالف الصلاة فيما إذا عزم على فعل محظور في الصوم كالأكل ونحوه ولم يأكل، فإنه يبطل صومه، بخلاف ما إذا عزم على فعل محظور في الصلاة فإنها لا تبطل إلا إذا فعله.
ولذلك فإن العلماء ذكروا أربع مسائل في قطع النية والتردد في قطعها وهي:
الأولى: إذا قطعها جازما فلا شك أن العبادة تبطل إلا الحج والعمرة.
الثانية: إذا علق القطع على شرط، فعلى الصحيح أنها لا تبطل. والله أعلم.
الثالثة: إذا تردد هل يقطعها أم لا، فعلى الصحيح أنها لا تبطل. والله أعلم.
الرابع: إذا عزم على فعل محظور ولم يفعله، فعلى الصحيح أنها لا تبطل. والله أعلم.
ومعنى: عن أشياء مخصوصة: أي مفسداته، ويأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
ومعنى: في زمن معين: أي هو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
ومعنى: من شخص مخصوص: أي هو المسلم البالغ العاقل القادر.
والصوم خمسة أنواع: المفروض بالشرع، وهو صوم شهر رمضان أداء أو قضاء، والصوم الواجب في الكفارت، والصوم بالنذر، وصوم التطوع.
فأما صيام شهر رمضان فإنه أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله، المعلومة من الدين بالضرورة وإجماع المسلمين، بل من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر.
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ ﴾ أي: فُرِضَ ﴿ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة].
فهو وصلة إلى التقوى؛ لما فيه من قهر النفس وترك الشهوات.
وقال تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ والأمر للوجوب؛ لما فيه من تزكية النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» وذكر منها «صوم رمضان» .
وللصوم حكم وأسرار كثيرة عظيمة، الله أعلم بها.
فمنها والله أعلم:
1- أنه من أعظم الطاعات: فهو سر بين العبد وبين ربه.
2- أنه تَحَلٍّ بفضيلة الصبر: فقد جمع أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
3- فيه تجربة لمقاساة الجوع: ليتذكر العبد نعم الله عليه المتوالية، ويذكر إخوانه الفقراء والمحتاجين.
4- فيه فوائد صحية للقلب والبدن: لما روي: «صوموا تصحوا» رواه ابن السني وأبو نعيم وحسنه السيوطي.
فالصيام عبادة جليلة جمعت كثيرا من خصال الخير، واستبعدت كثيرا من خصال الشر.
ولذا فإن الله –والله أعلم- كتبها وفرضا على هذه الأمة والأمم السابقة؛ لما لهم في ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية.
فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.
وقد صح في فضله أحاديث: منها ما جاء في الصحيحين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزئ به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» .
فالله جل وعلا خصه بإضافته إليه دون سائر الأعمال، تنويهًا وتشريفا وتفخيما له، ثم تولى عز وجل جزاء صاحبه بلا عدد ولا حساب فقال: «وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» .
وفي الحديث: «والصوم جُنَّة» متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا» متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» متفق عليه.
ويلزم صوم شهر رمضان كل مسلم بالغ عاقل قادر أداء أو قضاء إن كان ثم مانع أو عذر.
فالأول: المسلم، أي والمسلمة، هذا هو الشرط الأول: أي الكافر لا يلزمه الصوم، ولا يصح منه حال كفره، ولا يؤمر بقضائه بعد إسلامه.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ﴾ الآية [التوبة: 54].
فكونه لا يؤمر بقضائه إذا أسلم؛ لأنه ما أثر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات، بل إن وفد ثقيف قدموا في رمضان وضرب عليكم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا ما بقي من الشهر.
ولكن لو قال قائل: هل يعاقب الكفار في الآخرة على ما تركوه من الواجبات وما فعلوه من المحرمات؟
فالجواب: نقول: نعم يزاد في عذابهم كما قرر العلماء من أن الكفار مخاطبون بجميع أحكام الشريعة كلها؛ لقول الله تعالى عن أصحاب اليمين أنهم يقولون للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ (43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ (44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ (45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ [المدثر].
الثاني: البلوغ: والبلوغ يحصل بواحد من ثلاث بالسنة للذكر: إتمام الخامسة عشر، إنبات العانة، إنزال المني بشهوة، وللأنثى بأربعة شروط: هذه الثلاثة السابقة مع حصول الحيض. فإذا حاضت الأنثى فقد بلغت حتى ولو كانت في سن العاشرة.
فإذا كان الإنسان دون البلوغ فإنه لا يجب عليه ويصح منه الصوم، ويؤمر به المميز إذا كان يطيقه.
الثالث: العقل: وضده الجنون: أي الشرط الثالث مما يلزم بوجوده الصوم أن يكون عاقلا من ذكر وأنثى، ففاقد العقل مجنون ومعتوه، وكذا المخرف، وكل من ليس له عقل فإنه لا يجب عليه صوم ولا إطعام؛ لفقد الأهلية، وهي العقل.
فإن قال قائل: ما ملخص ما تقدم ممن لا يجب عليه الصوم لا أداء ولا قضاء، ومن لا يصح منه؟
فالجواب: هم ما يلي:
1- الكافر لا يصح منه ولا يقضيه لو أسلم مع أنه إذا مات على كفره سئل عنه وعذب على تركه.
2- الصغير والصغيرة: وهما مَنْ دُونَ البلوغ وهما مميزان، فيصح منهما ولا يجب عليهما، ويؤمر به منهما من يطيقه ولا يؤاخذ على تركه.
3- المجنون: لا يصح منه ولا يقضيه بعد إفاقته ولا يطعم عنه.
4- المختلط في عقله: كالمخرف والمهذي، لا يجب عليه ولا يطعم عنه.
أما الشرط الرابع من الشروط التي يلزم بها صوم شهر رمضان فهو «القدرة» أي: على الصوم، أي هذا هو الشرط الرابع احترازا من العاجز، فالعاجز ليس عليه صوم؛ لقول الله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ والعاجز عن صيام شهر رمضان أداء صنفان:
الصنف الأول: يفطر ويقضي وهم:
1- المريض الذي يرجى زوال مرضه.
2- المسافر سفر قصر.
3- المفطر لإنقاذ غريق ونحوه.
4- الحائض والنفساء.
5- الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما فقط، أو خافتا مع نفسيهما وعلى الجنين أو الرضيع أو خافتا على الجنين أو الرضيع فقط.
الصنف الثاني: وهم من لا يجب عليه الصيام ولا القضاء، وإنما تجب عليه الكفارة بدل الصيام، وهم:
1- الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة: اللذان يشق عليهما الصيام، فإنهم يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليهما.
2- المريض الذي لا يرجى برؤه: حكمه حكم الكبير ويفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا.
وإن قال قائل: لو تبرع أحد بالصيام عن الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه هل يصح ذلك؟
الجـواب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه لكبر ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران توجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال.
فإن قال قائل: وما كيفية الإطعام؟
فالجواب: إما أن يضع طعاما فيدعو إليه المساكين بحسب الأيام التي عليه كما كان أنس رضي الله عنه يفعل لما كبر.
وأما أن يطعمهم طعاما غير مطبوخ، عن كل يوم مسكينا لكل مسكين مد من بر، أو نصف صاع من غيره.
فإن قال قائل: ما هي أركان الصيام؟
فالجواب: أركان الصيام ثلاثة:
1- النية: وهي عزم القلب على الصوم امتثالا لأمر الله وطلبا لمرضاته أو تقربا إليه.
2- الإمساك عن المفطرات: من الأكل والشرب والجماع.
3- الزمان: وهو النهار، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فلو صام إنسان ليلا وأفطر نهارا لما صح صومه أبدا؛ لقوله تعالى: ﴿ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وأما المفطرات التي تفسد الصوم فهي الآتي ذكرها:
1- الجماع في الفجر: ويحصل بتغييب الحشفة فيه، ولو لم يحصل إنزال، فمن فعله متعمدا فعليه القضاء والكفارة، وهي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.
2- تعمد إنزال المني: بسبب تقبيل، أو لمس، أو استمناء، أو تكرار نظر.
3- تعمد الأكل والشرب: فإن كان ناسيا فصيامه صحيح، ومن الإبر المغذية التي يقصد منها إيصال الغذاء إلى البدن، وكذا حقن الدم في البدن.
4- تعمد إخراج الدم الكثير: سواء كان بالحجامة أو الفصد، ومنه التبرع بالدم، أما الدم اليسير، وكذا إن خرج الدم الكثير بغير إرادته، كالرعاف فإنه لا يفسد الصوم.
5- خروج دم الحيض والنفاس.
6- تعمد القيء: فإن خرج بغير اختياره أو فعله ناسيا لم يفسد صومه.
فإن قال قائل: ما هو الجامع لهذه المفسدات؟
فالجواب هو: أن المفطرات والمفسدات للصوم ترجع إلى نوعين:
الأول: أشياء تفيد البدن وتغذيه: مثل الأكل والشرب وما ناب عنهما.
الثاني: أشياء يحصل من خروجها من البدن ضعف له وإنهاك فمنعت رحمة بالصائم لئلا يجتمع عليه ضعف الصيام وما ينهك بدنه، وذلك مثل الجماع والحجامة.
وأما الأشياء التي تنقص أجر الصائم وثوابه مع إجزائه حكما؛ لأن التحريم عام، وإذا كان عاما لا يختص بالعبادة فإنه لا يبطلها بخلاف التحريم الخاص.
وهذه الأشياء هي: الكذب، والغيبة، والنميمة، وقول الزور والجهل والشتم والسب.
فهذه الأشياء يجب على الصائم وغيره أن يجتنبها، لكن تركها واجتنابها في حق الصائم آكد؛ لأنه يتأكد على الصائم من فعل الواجبات وترك المحرمات ما لا يتأكد على غيره؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.
فهذه -والله تعالى أعلم- هي الحكمة من فرض الصيام، أن يكون وسيلة لتقوى الله عز وجل بفعل الواجبات وترك المحرمات.
والدليل من السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري وغيره.
قوله: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» لا ريب أن الله تبارك وتعالى غني بذاته عن العالمين وأعمالهم، فلا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم.
كما جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» .
فمعنى ذلك -والله أعلم- أن ما يأمر الله به عباده من الطاعات وما ينهاهم عنه من السيئات لا يتضمن استجلاب نفعهم ولا دفع مضرتهم.
قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم.
فمعنى: «ليس لله حاجة» والله أعلم، إعلام الصائم أنه ليس المراد من صيامه هو ترك الطعام والشراب فحسب، ولكن المراد منه أن نتقي الله عز وجل بفعل الواجبات وترك المحرمات، ففيه بيان عظيم ارتكاب قول الزور والجهل في حال الصيام، وإلا فإن الله تعالى غني عن العالمين وأعمالهم.
وفي هذا إثبات الحكمة من الشرائع، وأن منها تهذيب النفوس وتقويم الأخلاق واستقامة الطباع، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾.
والزور: هو القول المائل عن الحق إلى الباطل، فيدخل فيه كل كلام محرم من الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور والسب والشتم وغير ذلك؛ لأنه ازور عن الطريق المستقيم.
وقوله تعالى: «والعمل به» أي بالزور، وهو كل فعل محرم.
وقوله: «والجهل» أي السفاهة وعدم الحلم مثل الصخب والسب وما أشبه ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يصخب ولا يرفث، وإن أحد سابه أو قاتله فليقل: إني صائم» متفق عليه.
ولهذا يسن لمن شتم قول: إني صائم، أي إن شتمه أحد، أي ذكره بعيب، أو فعل معه ما هو أكبر من المشاتمة بأن يقاتله، أي يتماسك معه، يسن له أن يقول: إني صائم. وهل يقول ذلك جهرا أو سرا؟
الجواب: يقول ذلك جهرا، أي يقول: «إني صائم» .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3455


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.07/10 (19 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.