في
الإثنين 3 ذو القعدة 1439 / 16 يوليو 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

الخطب المكتوبة والرسائل
رسائل الشيخ
الرسالة السادسة/ أحكام الحج

الرسالة السادسة/ أحكام الحج
09-05-1430 12:16 PM

[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أحكام الحج


الحمد لله الذي افترض على القادرين حج بيته الحرام، وجعل حجه أحد أركان الإسلام، وغفر لمن حجه ولم يرفث ولم يفسق جميع الذنوب والآثام، فهو الكريم الذي إذا دعا إلى بيته أفاض على الموحد جزيل الإكرام، خلق فقدر وشرع فيسر، فسبحانه من إله وفق من شاء لمراضيه ويسر له أسبابها بالتمام، وقضى على من شاء بالحرمان فلم ينفع فيه ترغيب ولا ترهيب ولا ملام، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا هو الملك العلام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أتقى من وقف بالمشاعر وطاف بالبيت الحرام.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الحج أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام.
والحج قصد البيت الحرام لأعمال مخصوصة في زمن مخصوص.
وللحج مواقيت زمانية ومكانية:
فالزمانية: أشهر الحج، شوال، ذو القعدة، وعشر ذي الحجة.
والمكانية: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل المسمى بالسيل الكبير، ويلملم، وذات عرق.
جعلت هذه الحدود مواقيت؛ تعظيماً للبيت الحرام وتكريما ليأتي إليه الحجاج والمعتمرون من هذه الحدود معظمين خاضعين خاشعين.
واعلموا أن الحج يجب على كل مسلم بالغ مستطيع مرة واحدة في العمر.
والمرأة في ذلك كالرجل، وتزيد المرأة وجود محرم يسافر معها لقوله عز وجل: ﴿آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس -وذكر- حج البيت» متفق عليه.
ومن الناس من يؤخر أداء الحج بعد وجوبه عليه بدون عذر شرعي، أو لم يأذن لأولاده من بنين وبنات.
ومن مات ولم يحج حجة الإسلام مع القدرة فهو آثم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس قد فرض الله عليكم فحجوا» رواه مسلم.
والأمر يقتضي الفورية: فتجب المبادرة إلى أداء فريضة الحج والعمرة.
ولا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، كتب عليكم الحج» قال: فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعلموا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع» رواه أحمد وغيره. وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ويسن الحج كل عام لمن استطاع ولا ضرر عليه ولا على من يعول بذلك لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة، وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلا غابت الشمس بذنوبه» رواه الترمذي بهذا اللفظ، وهو حديث صحيح بشواهده.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا: رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل؟ قال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» وفي رواية: «لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور» قالت عائشة: «فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم » رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حجة الوداع: «هذه ثم ظهور الحصر».
فكن كلهن يحججن إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد.
وقوله صلى الله عليه وسلم لنسائه: «هذه ثم ظهور الحصر» أي: عليكن لزوم البيت ولا يجب عليكن الحج مرة أخرى بعد هذه الحجة، فيفهم من ذلك جواز الترك لهن لا النهي عن الحج بعد حجة الوداع؛ لما روى البخاري أن عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف.
وأخرج ابن سعد من حديث أبي هريرة: فكن -نساءَ النبي صلى الله عليه وسلم - يحججن إلا سودة وزينب فقالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عمر متوقفا في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن وتبعه على ذلك مَنْ في عصره من غير نكير.
وروى أحمد والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة» سنده جيد.
والمعنى: أن الحج والعمرة يقومان مقام الجهاد لمن منعه عنه كبر أو ضعف بدن أو صغر أو أنوثة ويؤجرون عليهما كأجر الجهاد. والله تعالى أعلم.
وتتأكد سنية الحج بعد أربعة أعوام أو خمسة أعوام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: إن عبداً صححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ لمحروم» رواه ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى والبيهقي.
ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ: «إن الله يقول: إن عبداً صححت له بدنه وأوسعت عليه في الرزق لم يفد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم» قال: في مجمع الزوائد: ورجال الجميع رجال الصحيح.
منافع الحج
عباد الله.. إن الله دعاكم إلى بيت حرام، في شهر حرام، في بلد حرام.
فرض عليكم الحج لحكم وأسرار يعلمها، وبين شيئاً منها بقوله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28].
فمن المنافع ما هو دنيوي، ومنها ما هو أخروي.
فمن الأخروي: تطهير النفس، وتكفير الخطايا وغفران الذنوب، وذلك لمن اتقى الله تعالى في حجه فاجتنب الرفث والفسوق والجدال وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وقصد بحجه وجه الله تعالى، والتقرب إليه، ولم يقصد بحجه حطام الدنيا أو المفاخرة أو الرياء أو السمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله.
ومن تلك المنافع: أن الله تبارك وتعالى يباهي أهل عرفة أهل السماء.
من تلك المنافع: اجتماع الناس من أقطار الأرض في أوقات معينة في أماكن معينة؛ لتحصل استفادة بعضهم من بعض في الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك، ومن الدعوة إلى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت والتحاكم إليه.
ومن توضيح أنواع العبادة وأنها من خصائص الله كالدعاء والذبح والنذر.
وأن من صرف شيئاً منها لغير الله؛ كأنْ يدعو عبد القادر أو البدوي أو العيدروس أو يذبح للأموات أو للجن أو للكواكب فهو مشرك كافر الشرك الأكبر والذنب الذي لا يغفر لمن مات على ذلك.
وتوضيح ذلك والتحذير منه من أَجَلِّ المنافع وأعظمها.
مقاصد الحج من التوحيد
إن للحج مقاصد سامية، وأهدافا لا تقتصر على المظهر؛ لأنها من التوحيد في القول والعمل والاعتقاد.
فمن ذلك: رفع الصوت بالتوحيد، ونفي الشريك عن الله تعالى، وإعلان انفراد الله جل وعلا بالحمد والنعمة والملك، وذلك بعد الإحرام من الحج أو العمرة.
حيث شرع للحاج أن يرفع صوته بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، يردد ذلك الحاج بين فترة وأخرى حتى يشرع في التحلل من الإحرام.
ومن مقاصد الحج: إعلان التوحيد مع اعتقاده والعمل به في المجمع العظيم في يوم عرفة وهو من أعظم الذكر الذي يقال فيه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» رواه الترمذي.
وذلك من أجل أن يستشعر الحاج مدلولها ويعمل بمقتضاها فيؤدي أعمال حجه خالصة لله عز وجل.
ومن مقاصد الحج: من التوحيد مشروعية الطواف بالبيت العتيق؛ ليعلم الحاج أن الطواف خاص ببيت الله، وأن كل طواف بغير البيت العتيق فهو باطل، وليس بعبادة الله عز وجل، وإنما هو من الشرك بالله لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: 29]. فلا يجوز الطواف ببيت غيره على وجه الأرض، لا بالأضرحة ولا بالأشجار والأحجار ولا غيرها.
ومن مقاصد الحج: من التوحيد مشروعية التكبير عند استلام الحجر الأسود والركن اليماني، حيث يقول: الله أكبر معتقدا أنهما لا ينفعان ولا يضران، وإنما يستلمهما لأنهما من شعائر الله، طاعةً لله واقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما استلم الحجر وَقَبَّلَهُ: والله إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. متفق عليه.
وبهذا العلم المسلم أنه لا يجوز التمسح بشيء من الأبنية كحجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بالأحجار كمقام إبراهيم ونحو ذلك إلا بالركن اليماني والحجر الأسود أثناء الطواف لا التبرك ورجاء البركة منهما، وإنما لكونهما من شعائر الله.
ومن مقاصد الحج: من التوحيد مشروعية قراءة سورة ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ ﴾ [سورة الكافرون] ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [سورة الإخلاص] في ركعتي الطواف.
ففي السورة الأولى: البراءة من دين المشركين وإفراد الله بالعبادة.
وفي الثانية: إفراد الله تعالى بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص حتى يعرف العبد ربه، ويخلص له العبادة ويتبرأ من عبادة ما سواه.
ومن مقاصد الحج السامية من التوحيد: الأعمال العظيمة التي تؤدى في أيام منى من رمي الجمار، وذبح الهدي، وحلق الرأس، وأداء الصلوات الخمس في هذا المشعر المبارك، والأيام المباركة، وكل هذه الأعمال من التوحيد.
فرمي الجمرات ذكر لله.
حيث شرع للحاج أن يقول عند رمي كل حصاة: الله أكبر.
وذبح الهدي ذكر الله عز وجل:
كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: 34] وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 36، 37].
ومن هنا يعلم المسلم أن الذبح عبادة لله عز وجل ولا يجوز صرفها لغير الله.
فلا يجوز أن يذبح لغير الله لا لقبر ولا لولي ولا لجني، ولا لأي مخلوق؛ لأن الذبح عبادة لله تعالى.
وصرف العبادة لغير الله من الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر.
وكذلك حلق الرأس في منى لله تعالى من العبادة لدعائه صلى الله عليه وسلم للمحلقين رؤوسهم والمقصرين.
ولقوله تعالى: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ [الفتح: 27].
ومن هنا يعلم المسلم أن حلق الرأس للشيخ والسيد من الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر.
ومن مقاصد الحج من التوحيد: أن الله تعالى أمر بذكره أثناء أداء مناسك الحج وبعد الفراغ منه، ونهى عن ذكر غيره من الرؤساء والعظماء الأحياء والأموات، وعن المفاخرة في الأحساب والأنساب. فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200)وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ (202)وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة البقرة: 200- 203].

أركان الحج والعمرة
أيها الحجاج.. من تاجر مع الله فقد ربحت تجارته، ومن هاجر إلى الله قُبِلَتْ هجرته.
هذه أشهر الحج ابتدئت بعيد الفطر وختمت بِعِيد النحر يؤم فيها بيت الله العتيق، فتوبوا إلى ربكم واخرجوا من المظالم التي بينكم، وأزيلوا الشحناء والبغضاء بينكم بالعفو والمسامحة والبر والصلة، وإن كان ذلك واجباً في كل وقت إلا أنه قبل الحج آكد.
للحج أربعة أركان هي:
الإحرام، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، فلا يصح إلا بهذه الأركان.
وللعمرة ثلاثة أركان وهي:
الإحرام، والطواف، والسعي.
الركن الأول: الإحرام:
الإحرام هو نية الدخول في نسك حج أو عمرة مع التجرد أو التلبية، فإن الرجل لا يكون محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده لابد من قول أو عمل يصير به محرماً على الصحيح من قولي العلماء.
وله واجبات، وسنن، ومحظورات:
فمن واجبات الإحرام: الإحرام من الميقات، ففي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وَقَّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة» متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأهل العراق ذات عرق» رواه أبو داود والنسائي.
وثبت بتوقيت عمر، ولعله خفي النص فوافقه برأيه؛ فإنه رضي الله عنه موفق للصواب.
والميقات: هو المكان الذي حدد الشارع الإحرام عنده تعظيماً وتشريفا لبيت الله الحرام.
فإن الله جعل له حصنا وهي مكة، وجعل لها حمى وهو الحرم، وجعل للحرم حرما وهي المواقيت، فلا يجوز لأحد يريد الحج والعمرة أن يتجاوز المواقيت بدون إحرام تعظيماً لبيت الله الحرام، فهي تجاوزها ولم يرجع إليها قبل إحرامه فعليه دم، فإن لم يجد صام عشرة أيام، كما يُكْرَه إحرام قبل ميقات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر إحرامه من المدينة إلى ذي الحليفة في حجة الوداع ولم يحرم من المدينة، وهي قريبة من الميقات.
ومنها التجرد من المخيط عند نية الإحرام:
ففي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس» .
والمخيط هو: كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه كالقميص والسراويل ليبعد عن الترفه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، وليتذكر الموت ولباس الأكفان، ويتذكر به يوم البعث يوم القيامة والناس حفاة عراة، مهطعين إلى الداعي، بل تعظيماً لبيت الله الحرام وإجلالاً وإكراما، أن يحرم قبل الحلول إجلالاً، متخليا عن نفسه فارغا من اعتبارها.
فيا عباد الله! تذكروا ذلك إذا أحرمتم واحرصوا على العمل به بقلوبكم وجوارحكم.
وأما التلبية: فيقول من أراد الإحرام بالتمتع: «لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج» ويستحب أن يشترط إن كان خائفا أو شاكيا فيقول: «وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني» فإن لم يكن خائفا ولا شاكيا فلا يشترط، وإن اشترط فلا بأس وجاز له ذلك بدون استحباب؛ جمعا بين الأحاديث، والله تعالى أعلم.
ومن ساق الهدي وجب عليه أن يحرم قارنا فيقول: «لبيك عمرة وحجا، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» ومعنى «لبيك اللهم لبيك» أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة وإجابة لأمرك لنا بالحج بعد إجابة؛ لأن التلبية إجابة لدعوة الله تعالى لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم، والملبي هو المستسلم المنقاد، والمعنى أنا مجيبوك لدعوتك مستسلمون لحكمك، مطيعون لأمرك مرة بعد مرة، لا نزال على ذلك.
وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه سبحانه.
ولا يستحب التلفظ بالنية كقول: «اللهم إني أريد العمرة أو الحج» .
لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع ذلك، ولا يتكلم بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه عند الإحرام، بل كان يقول: «لبيك عمرة وحجا» .
وكان يقول للواحد من أصحابه: «بما أهللت؟» . والإهلال هو التلبية.
وأما سنن الإحرام فمنها:
الاغتسال ولو لنفساء أو حائض: لأن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر رضي الله عنه وضعت وهي تريد الحج فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم «بالاغتسال» رواه مسلم.
وأمر عائشة رضي الله عنها «أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض» متفق عليه.
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل» رواه الترمذي والدارمي.
ومنها التطيب في بدنه؛ لقول عائشة: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. متفق عليه.
ويستحب للمرأة خضاب بحناء؛ لقول ابن عمر: من السنة أن تدلك المرأة يديها في الحناء. رواه الشافعي والبيهقي.
ومنها تكرار التلبية وتجديدها كلما تجددت حال: من ركوب أو نزول لقول جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي في حجته إذا لقي راكباً أو علا أكمة أو هبط واديا وفي أدبار الصلاة المكتوبة، وفي آخر الليل، رواه ابن عساكر، قاله في التلخيص، ولخبر سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يلبي إلا لبى من على يمينه أو شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا» رواه الترمذي وهو حديث صحيح بشواهده.
ومنها التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال كما ترجم لذلك البخاري رحمه الله بقوله: باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة، ثم ذكر حديث أنس وفيه: «ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة» .
ومنها الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم «عقب التلبية إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار» . رواه الشافعي والدارقطني.
فهذه السنن لو تركها المحرم لم يجب عليه فيها دم، ولكن يفوته بتركها أجر كثير وثواب جزيل.
أما محظورات الإحرام:
وهي الأعمال الممنوعة التي لو فعلها المحرم لوجب عليه فدية دم أو صيام أو إطعام، فهي:
1- إزالة الشعر من البدن.
2- تقليم الأظافر.
3- تعمد تغطية الرأس والوجه من الرجل، ولا تغطي المرأة المحرمة وجهها إلا إذا كان بقربها رجال أجانب، فيجب عليها حينئذ أن تغطي وجهها.
4- تعمد لبس المخيط على الرجل.
5- قصد شم الطيب ومس ما يعلق.
6- قتل صيد البر الوحشي المأكول.
7- عقد النكاح، ولا يصح وخطبته.
8- الجماع.
9- مقدمات الجماع من قبلة ونحوها.
وحكم هذه المحظورات الخمس الأول: أن من فعل واحداً منها وجبت عليه فدية، وهي صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة لقوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة: 196]. ولحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.
وأما قتل الصيد ففيه جزاؤه بمثله من النعم لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95].
وأما عقد النكاح وخطبته: وسائر الذنوب كالغيبة والنميمة وكل ما يدخل تحت لفظ الفسوق ففيه التوبة والاستغفار، ولا فدية في ذلك.
وأما الجماع: إذا كان قبل التحلل الأول فإنه يفسد به الحج وعليه القضاء، ويجب الاستمرار في النسك الفاسد حتى يتم، وعلى صاحبه بدنة من الإبل لفقراء الحرم، فإن لم يجد صام عشرة أيام؛ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقول عمر وعلي وأبي هريرة رضي الله عنهم فيما رواه مالك وغيره عنهم، ولقول ابن عباس وابن عمر فيما رواه أحمد والحاكم والدارقطني وغيرهم عنهم من القول بذلك، وإذا كان الجماع بعد التحلل الأول فإنه لا يفسد الحج، وعليه فدية شاة لفعله المحظور في الإحرام.
وأما مقدمات الجماع والوطء فيما دون الفرج: فإنها لا تفسد الحج لكن إن أنزل فإنه يلزم فاعلها دم وهو ذبح شاة لفقراء الحرم.

موعظة
حجاج بيت الله الحرام! اتقوا الله تعالى وتأهبوا فقد زفت المطايا، وخذوا أهبة التحويل فما إلى البقاء بدار الفناء من سبيل، وبادروا فلم يبق من متاع الدنيا القليلة إلا القليل.
فهل منا من يعاتب نفسه على التقصير؟ وهل منا من يراقب الله السميع البصير؟ وهل منا من يتفكر في هول ما إليه يصير؟ فسبحان الله ما أعم جوده على الأنام، وما أكثر تقصيرهم في حقه على الدوام، من ذا الذي عامله بصدق فلم يربح، ومن ذا الذي سأله تفريج كربه فلم يفرج؟
فاشكروه ولن تحصوا له شكراً، واتقوه حق تقاته سراً وجهرا، وشمروا لعبادته عن ساق، ونافسوا على الوفود إلى حج بيته فله الحديث يساق.
الركن الثاني: الوقوف بعرفة:
وهو الوقوف أو الحضور بعرفة، بنية يوم تاسع ذي الحجة، ووقته من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، وأما قبل الزوال من يوم عرفة، فكثير من أهل العلم على أنه ليس وقتاً للوقوف، وفاقاً للأئمة الثلاثة، واختاره الشيخ وغيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال، وما قبله لا يعتد به، وجعلوا هذا الفعل مقيداً لمطلق حديث عروة بن مضرس، الذي رواه الخمسة وصححه الترمذي، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: «وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه».
وخالف الإمام أحمد الجمهور في ذلك لهذا الحديث في أن يوم عرفة كله وقت للوقوف. والله تعالى أعلم.
ويوم عرفة له فضائل متعددة:
ومنها: أنه يوم إتمام الدين وإكمال النعمة، قال الله تعالى: ﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ﴾ [المائدة: 3].
ومنها: أنه عيد لأهل الإسلام هو ويوم النحر وأيام التشريق؛ لما روى عقبة مرفوعاً: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهلَ الإسلام» رواه الخمسة إلا ابن ماجه.
ومنها: أنه موقف عظيم، تسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وهو أعظم مجامع الدنيا.
فإذا فرغ الحاج قلبه وطهره، وطهر جوارحه، واجتمعت الهمم وتساعدت القلوب في هذا المجمع العظيم، وقوي الرجاء وعظم الجمع كان ذلك من أسباب القبول، فإن تلك أسباب جعلها الله مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة.
ومنها: أنه يوم ترجى فيه إجابة الدعاء.
ومن آداب الدعاء: أن يرفع الحاج يديه، قال ابن عباس: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات يدعو ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين» . رواه أبو داود.
ويحرص في هذا الموقف على تفريغ الباطن والظاهر من كل مذموم وليكن على طهارة في هذا المشعر العظيم ويجتهد أن يبكي فإن لم يقدر على البكاء فليتباك بالتضرع والدعاء.
وليحذر الحاج من الاختيال والتعاظم في هذا الموقف وغيره فإنه من موانع الإجابة قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18] وروي في ذلك حديث.
ومن الحُجَّاج من يفرط في هذا الوقت الثمين، وذلك باشتغاله بالقيل والقال مع رفقته، أو بالأكل والشرب الزائد عن الحاجة.
ومنهم من يجعل اجتهاده في الذكر والدعاء في أول النهار، فإذا جاء وقت الذكر والدعاء والتضرع هو آخر النهار من يوم عرفة، فإذا هو قد تعب وسئم وترك الذكر والدعاء.
ومنها: أنه يُشرع صوم عرفة لغير حاج بها؛ لحديث: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» رواه مسلم.
أما الحاج فإنه لا يستحب له أن يصوم يوم عرفة بعرفة بل يكره «لنهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة» رواه أبو داود وصححه الحاكم.
ومنها: أن الدعاء في يوم عرفة أفضل من غيره لحديث: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» رواه مالك في الموطأ والترمذي.
ومن فضائله: قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» رواه مسلم. وزاد رزين: «اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت لهم» .
ومنها: أنه ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما أرى يوم بدر فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة.
وقد روي في ذلك حديث رواه مالك في الموطأ وهو مرسل، ووصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء.
واجبات الحج:
الأول: الإحرام من الميقات المعتبر له، وقد تقدم.
الثاني: الوقوف بعرفة في يوم عرفة من بعد الزوال إلى غروب الشمس، ومَنْ دفع قبل الغروب من يوم عرفة ولم يرجع فعليه دم.
الثالث: المبيت بمزدلفة بعد الإفاضة من عرفات ليلة عاشر الحجة، وسميت مزدلفة من الزلف وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إلى منى، أي تقربوا منها ومضوا عليها، وكلها موقف لكن الوقوف عند المشعر الحرام أفضل، وتتأكد صلاة الفجر بالمزدلفة على الأقوياء ونحوهم بأمور:
منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «من شهد صلاتنا هذه -يعني بالمزدلفة- فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: 198] وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» رواه مسلم والنسائي واللفظ له، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» رواه الخمسة إلا النسائي.
فعلى هذا: فإني أنصح الحجاج الأقوياء من إخواني المسلمين أن لا يدفعوا من مزدلفة حتى يصلوا الفجر بها، ويذكروا الله ويدعوه خاشعين مستغفرين ملبين، وأما الضعفاء فلهم أن يدفعوا بعد غيبوية القمر، بل يجب عليهم المبيت إلى غيبوبة القمر، وقال بعضهم: إلى نصف الليل، ومن دفع قبل ذلك فعليه دم.
الرابــع: رمي الجمرات، ووقت رمي جمرة العقبة من غيبوبة القمر ليلة النحر إلى غروب الشمس.
ووقت رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق من زوال الشمس إلى غروبها، ومن لم يتمكن من ذلك فله أن يؤخر الرمي إلى اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق.
الخامس: الحلق أو التقصير بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر.
السادس: المبيت بمنى ثلاث ليال، وهي ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر، أو ليلتين لمن تعجل، وهما ليلة الحادي عشر والثاني عشر.
السابع: طواف الوداع.
فمن ترك واجباً فعليه دم، فإن عدمه صار عشرة أيام.
سنن الحج والوقوف بعرفة:
منها: الخروج إلى منى ضحى يوم التروية وهو ثامن ذي الحجة ويصلي بها الحاج خمس صلوات: الظهر يوم الثامن والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ويقصر الرباعية.
ومنها: المبيت بمنى ليلة التاسع وعدم الخروج منها إلى عرفة إلا بعد طلوع الشمس.
ومنها: النزول بنمرة وصلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا مع الإمام إن أمكن.
ومنها: إتيانه لموقف عرفات بعد أدائه صلاة الظهر والعصر، والاستمرار بالموقف ذاكرا داعيًا إلى غروب الشمس، ويكثر الاستغفار والتضرع والخشوع، وإظهار الضعف والافتقار، ويلح في الدعاء.
ومنها: السكينة في السير وعدم الإسراع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع» والإيضاع هو: الإسراع.
ومنها: الإكثار من التلبية والذكر في طرقه إلى منى وإلى عرفات وإلى مزدلفة وإلى منى، ويقطع التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة.
ومنها: تأخير صلاة المغرب إلى أن ينزل بمزدلفة فيصلي المغرب والعشاء بها جمعا وقصرا.
ومنها: الوقوف مستقبلَ القبلة ذاكرا داعياً عند المشعر الحرام بعد صلاة الفجر حتى يسفر جداً.
ومنها: الدفع من مزدلفة بعد الإسفار وقبل طلوع الشمس.
ومنها: الإسراع في السير ببطن محسر قدر رمية حجر، إن لم يخش ضرراً.
ومنها: رمي جمرة العقبة بين طلوع الشمس والزوال.
ومنها: قول: الله أكبر مع كل حصاة يرميها.
ومنها: الترتيب بين رمي جمرة العقبة ثم النحر ثم الحلق ثم طواف الإفاضة.
ومنها: أداء طواف الزيارة -أي الإفاضة- في يوم النحر قبل الغروب.
ومنها: مباشرة ذبح الهدي أو شهوده حال نحره أو ذبحه.
ومنها: الأكل من الهدي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل من هديه.
ومنها: الوقوف للدعاء مستقبلَ القبلة بعد رمي الجمرة الأولى والثانية دون الثالثة؛ لأنه لا دعاء يستحب بعد رميها؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرميها وينصرف.

تنبيه
يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة:
الرمي والحلق والطواف؛ لحديث عائشة مرفوعاً: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» رواه أحمد.
قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر وذبح وحلق أو قصر فقد حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء.
ومما ينبغي التنبيه عليه:
الأول: أن صعود جبل الرحمة بعرفة تقربا بدعة؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من سلف الأمة الصالح أنه صعد الجبل يوم عرفة تقربا، وكان موقف النبي صلى الله عليه وسلم أسفل الجبل عند الصخرات وقال: «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف» رواه مسلم.
الثاني: الحلق أفضل من التقصير، والتقصير لابد فيه من الإتيان على جميع الرأس بالتقصير لا على كل شعرة شعرة.
الثالث: ترك البقاء في منى في نهار أيام التشريق وهو مشروع لأجل رمي الجمرات وإقامة ذكر الله، وإن كان غير واجب فإنه من السنة.
الرابــع: تفرق الجماعات للصلوات الخمس، في منى وعرفة ومزدلفة، كل فرقة يصلون في خيمتهم وحدهم، وهذا لا ينبغي؛ لأن ذلك مخالف للسنة، بل السنة أن يصلي الحاج المسلم مع أكثر عدد ممكن إذا وجد مكاناً، وإذا لم يجد فالتفرق جائز.
الخامس: من الناس من يصور أو يصور حال إحرامه، وفي وقوفه بالمشاعر، والتصوير حرام في كل زمان ومكان، ولكنه يغلظ تحريمه في تلك المشاعر، بل هو من الإلحاد في تلك المشاعر، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].
السادس: من الناس من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء حجه، وتَرْك الأمر والنهي عند الاستطاعة وعدم المفسدة حرام في كل وقت يأثم تاركه، ولكن ترك الأمر والنهي في حرم الله يكبر فيه الذنب ويعظم الإثم ويغلظ.
السابع: من الحجاج من يجادل في الحج عند نصب الخيام، وقد يكون بخلاف مع رفقته، أو بأسباب المزح الزائد عن المباح ونحو ذلك، وقد لا يحصل جدالهم إلا في آخر حجهم، وكل هذا من كيد الشيطان ومكره ليفوت على الحاج وعد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» أي بغير ذنب.
فعلى الحاج أن يَحْذَر من الجدال والخصومة، وأن يبتعد عن الفسوق من غيبة ونميمة وشرب حرام كدخان ونحوه، وأن يغض طرفه عن النظر إلى الحرام والاستماع إليه، وأن يجتنب الرفث؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة: 197].
أيها الحجاج! أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فهي التجارة التي لا تبور، وأحثكم على مراقبته سبحانه وتعالى، فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فشمروا لطاعته واحذروا التواني والقصور، وحافظوا على أداء الفرائض والسنن، وافزعوا إلى كتاب الله فنعم المفزع عند البلايا والمحن والملاذ عند مضلات الفتن.
الركن الثالث: طواف الإفاضة:
وهو طواف الحج، والطواف هو الدوران حول البيت سبعة أشواط بِنِيَّة، وأول وقت طواف الإفاضة من غيبوبة القمر ليلة النحر بعد المبيت بالمزدلفة وفعله يوم النحر أفضل، ويجوز تأخيره، وإن أخره عن أيام منى جاز، وله شروط وسنن ومكروهات.
شروط الطواف:
الأول: النية عند الشروع في الطواف؛ إذ الأعمال بالنيات فكان لابد للطائف من نية طواف، وهي عزم القلب على الطواف تعبدا لله تعالى وطاعة له عز وجل.
الثاني: الطهارة من الحدث والخبث لحديث: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان.
الثالث: ستر العورة لحديث: «ولا يطوف بالبيت عريان» متفق عليه.
الرابـع: أن يكون البيت على يسار الطائف لحديث جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً» رواه مسلم.
الخامس: أن يكون الطواف سبعة أشواط، وأن يبدأ بالحجر الأسود بأن يقف مقابل الحجر الأسود بكله فيستقبله استقبالا في أول مرة، وبعد ذلك كلما أتى عليه استقبله بوجهه، لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيح، فيكون تفسيراً لمجمل قوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ [الحج] فمن ترك شيئاً من السبعة الأشواط ولو قليلاً، أو سلك الحجر لم يصح ولم يجزئه طوافه.
سنن الطواف:
الأول: يستحب إذا رأى الحاج البيت أن يرفع يديه كرفع يديه للدعاء ويقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام حَيِّنَا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفا وتكريما ومهابة وبرا، وزد مَنْ عَظَّمَه وشَرَّفَه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريما ومهابة وبرا» رواه الشافعي وغيره مرسلاً، ونحوه عند الطبراني، وسمعه سعيد بن المسيب عن عمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمن رأى البيت قبل دخول المسجد فعل ذلك، وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤية البيت ولو كان بعد دخول المسجد في حالة سيره إلى البيت.
الثاني: الاضطباع: والاضطباع هو كشف الضبع، أي الكتف اليمنى، ولا يسن إلا في طواف القدوم خاصة، وللرجال دون النساء، ويكون في الأشواط السبعة عامة، وقال بعضهم: مع الرمل فقط.
الثالث: تقبيل الحجر الأسود إن أمكن، وإلا اكتفى باستلامه بيده أو الإشارة بيده اليمنى عند تعذر ذلك، ولا يرفع يديه كما يكبر للصلاة، كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من البدع.
الرابــع: قول: «بسم الله والله أكبر» عند ابتداء الطواف، أي بسم الله أطوف، والله أكبر من كل شيء، وقال بعضهم: يقول: «لا إله إلا الله والله أكبر».
الخامس: الرمل، والرمل مثل الهرولة وهو مسارعة المشي مع تقارب الخطى.
السادس: الإكثار من الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الطواف، والدعاء غير محدود ولا معين، بل يدعو كل طائف بما يفتح الله عليه غير أنه يسن ختم كل شوط بين الركن اليماني والحجر الأسود بقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» لحديث عبد الله بن السائب، رواه أحمد وغيره.
وإن قال: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» فحسن لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «إن الله وكل بالركن اليماني سبعين ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار قالوا: آمين» رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف.
السابع: أن يكون في طوافه خاشعا متخشعا، حاضر القلب ملازم الأدب بظاهره وباطنه، وفي هيئته وحركته ونظره، فإن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها، ويستشعر بقلبه عظمة من يطوف بيته.
الثامــن: صلاة ركعتين بعد الفراغ من الطواف خلف مقام إبراهيم إن سهل، وإلا ففي أي مكان من الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [سورة البقرة: 125] يقرأ فيهما بسورتي الكافرون والإخلاص بعد الفاتحة؛ لحديث جابر رواه مسلم.

تنبيهات

مما ينبغي التنبيه عليه من المخالفات مما هو ليس بمشروع:
الأول: النطق بالنية عند الطواف، وذلك من البدع كالنطق بها عند الصلاة.
الثاني: لا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين.
فالركن الأول الذي فيه الحجر الأسود يُستلم ويُقبل، واليماني يُستلم ولا يُقبل، والآخران لا يستلمان ولا يقبلان، وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم، وحجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومغارة إبراهيم، ومقام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يصلى فيه، وصخرة بيت المقدس كل هذه لا تستلم ولا تقبل، بل استلامها وتقبيلها من البدع في الدين، وإن فعل ذلك للتبرك فهو من الشرك، سواء بالتبرك بالكعبة أو بغيرها.
الثالث: المزاحمة لاستلام الحجر وتقبيله وذلك من المنهي عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: «إنك رجل قوي فلا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلم» رواه أحمد.
فاستلام الحجر سنة وترك الإيذاء واجب، والعمل بالواجب أحق.
وأما النساء: فلا يجوز لهن ذلك لما في ذلك من المفاسد منهن وبهن، فليتق الله أولياء النساء، ولا يزاحموا بهن الرجال.
الرابــع: الإيذاء بقول أو فعل؛ إذ أذية المسلم حرام ولا سيما في بيت الله تعالى، بل عليه أن يلاحظ جلالة البقعة، ويتلطف بمن يزاحم ويعذره ويرحمه؛ لأن الرحمة ما نُزِعَت إلا من شقي.
الخامس: الكلام إلا بخير؛ لحديث: «فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير».
مكروهات الطواف:
الأول: يكره في الطواف أن يشبك أصابعه، أو يفرقع بها، كما يكره ذلك في الصلاة.
الثاني: يكره أن يطوف وهو يدافع البول أو الغائط أو الريح، أو وهو شديد التوقان إلى الأكل وما في معنى ذلك، كما تكره الصلاة في هذه الأحوال.
الثالث: يلزم الطائفَ أن يصون نظره عمن لا يحل النظر إليه من امرأة أو أمرد حسن الصورة، فإنه يحرم النظر إلى الأمرد الحسن بكل حال، لا سيما في هذا الموطن الشريف.
الرابــع: يصون نظره وقلبه عن احتقاره من يراه من الضعفاء وغيرهم، كمن في بدنه نقص، وكمن جهل شيئاً من المناسك أو غلط فيها، وينبغي أن يعلم الصواب برفق.
وقد جاءت قصص في تعجيل عقوبة كثير ممن أساء الأدب في الطواف كمن نظر إلى امرأة ونحوها.
الركن الرابع: السعي:
وهو السعي بين الصفا والمروة بنية التعبد؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [سورة البقرة: 158].
فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لابد منه؛ لأن شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى رضي الله عنه: «طف بالبيت وبالصفا والمروة» رواه مسلم.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» رواه أحمد وله طرق يقوي بعضها بعضاً.
شروط السعي:
الأول: النية لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» فكان لابد من نية التعبد بالسعي، طاعة لله تعالى وامتثالا لأمره جل وعلا.
الثاني: إكمال العدد سبعة أشواط، ذهابه سعيهض ورجوعه سعيه، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، فلو نقص الساعي شوطا أو بعض الشوط لم يجزئه؛ إذ حقيقته متوقفة على تمام أشواطه.
الثالث: وقوع السعي بعد طواف صحيح، سواء كان الطواف ركناً، كطواف الإفاضة، أو سنة كطواف القدوم.
سنن السعي:
الأول: الموالاة بينه وبين الطواف بحيث لا يفصل بينهما بدون عذر شرعي.
الثاني: الوقوف على الصفا والمروة للدعاء فوقهما ويكبر ثلاثاً لحديث جابر: «فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فرقى الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة -ففعل على المروة كما فعل على الصفا» . رواه مسلم.
ولا يرفع يديه على الصفا والمروة: كما يكبر للصلاة، بل يرفع يديه كرفعهما للدعاء لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من طوافه «أتى الصفا فَعَلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو» رواه مسلم.
الثالث: الخبب، وهو سرعة المشي بين الميلين الأخضرين على حافتي الوادي القديم الذي خبت فيه هاجر أم إسماعيل عليهما السلام وليس هو الركض كما يفعله بعض الناس.
الرابــع: أن يستحضر الساعي في نفسه ذله وفقره وحاجته إلى الله تعالى في هداية قلبه وتزكية نفسه وإصلاح حاله.
الخامس: الإكثار من الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لحديث: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل» [واه أحمد وأبو داود والترمذي].

تنبيهات

الأول: من واجبات الحج والعمرة طواف الوداع ويرخص للحائض والنفساء في تركه؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» رواه مسلم.
وعنه أيضاً: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض» متفق عليه.
ولحديث الحارث: «من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت» رواه أحمد والترمذي.
ومن أخر طواف الإفاضة إلى حين سفره كفاه عن طواف الوداع، إلا أنه عند الطواف لا ينويه لهما جميعاً، أي لطواف الإفاضة وطواف الوداع، بل ينويه عن طواف الإفاضة؛ لأنه ركن ويكفيه عن طواف الوداع.
الثاني: شد الرحل من مكة إلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم منهي عنها، بل لا يجوز للمسلم أن يسافر من أجل زيارة القبور ولا شد الرحل للصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة، فإن من الناس من يشد الرحل في رمضان لصلاة التراويح وهو منهي عنه إلا للمساجد الثلاثة فإنه مما يثاب عليه ويؤجر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه.
لكن يستحب السفر لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما زيارة القبور بدون شد رحل فمستحبة.
الثالث: المال الذي يجعل لمن ينوب في الحج عن ميت أو حي فهذا إن أخذه المنوب ليحج لاشتياقه للبيت ومشاعر الحج وللعمل الصالح لما فيه من زيادة الفضل فهذا هو الذي تصح نيابته وحجه.
وأما الذي لا يحجه إلا من أجل المال فهذا لا تصح نيابته ولا يصح حجه؛ لأن عمله باطل ولا ثواب له في الآخرة؛ لأنه قصد بعمله الدنيا، ومن قصد بعمله الذي ينبغي به وجه الله الدنيا فليس له في الآخرة من نصيب، وأكثر من يسافر لأخذ الوصايا بالحج إنما قصدوا هذا الثاني، والله أعلم بما تنطوي عليها الضمائر من الإرادات والنيات والمقاصد.
الرابــع: التكبير المقيد يبتدئ من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، عقب الصلوات المكتوبات.
والتكبير المطلق لا يتحدد بزمن بل يبدأ من أول عشر ذي الحجة، وهي الأيام المعلومات، وينتهي بانتهاء أيام التشريق وهي الأيام المعدودات لقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: 203].
والمخاطب بهذا الذكر الحاج وغير الحاج، وفي الحديث المرفوع: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل» رواه مسلم.
وقال البخاري: «وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً.
فاتقوا الله عباد الله وتوبوا إليه، واذكروه واستغفروه كثيرًا، وكبروه في هذه الأيام المعلومات، وصونوا أعيادكم عن كل ما لا يجوز، احفظوها -رحمكم الله- عن كل ما يرديكم، وأعمروا أيامها بالذكر والحمد والشكر؛ لتفوزوا في الدنيا والآخرة، جعلني الله وإياكم ممن إذا ذكر تذكر وأناب، وإذا دعي إلى طاعة الله سمع وأجاب, و صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3247


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (40 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.