في
الثلاثاء 7 صفر 1440 / 16 أكتوبر 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

05-17-1429 08:59 AM

خطبة الشيخ عبد الله القرعاوي

الحمد لله ذي العزة والكبرياء، المتفرد بالألوهية والبقاء، أحمده تعالى وأشكره على جزيل الفضل وكريم العطاء، وأتوب إليه وأستغفره من كل ذنب في العلن أو الخفاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعالى عن الأنداد والشركاء، وتقدس عن الأمثال والنظراء، وله خالص الحمد والمحبة والثناء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأتقياء، وخاتم الرسل والأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه في السراء والضراء، وطاعته في النعماء والبأساء، فإنها نعم العمل والزاد والرجاء، وبها الفوز والأجر والنجاة.
قال تعالى: -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)- [الأحزاب/70-71].

عباد الله:
إن الإسلام يهدف بتوجيهاته وآدابه وقيمه إلى إقامة المجتمع الآمن، المتكاتف المتعاضد المتآلف، مثله كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وفي سبيل ذلك أقام الإسلام كل السبل الموصلة إلى ذلك، وشرع من الآداب والأخلاق ما يضمن تحقيق ذلك على أكمل الوجوه وأحسنها، وأعظم ما ركّز عليه في هذا الجانب الدين النصيحة بين الناس إيجابا وترغيبا، ونهيا عن ضد ذلك وترهيبا، شعاره الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، ويسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، والمسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره.
عباد الله:
إن النصيحة في الدين التي أمر بها الإسلام وحث عليها وأوجبها، أن يصدق الإنسان في عمله لله سبحانه وتعلى بالقيام بما أمره به من عبادات، والانتهاء عما نهاه عنه، والإخلاص لله تعالى ظاهرا وباطنا، سرا وجهرا، مصداقا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»( ).
وأن يفي الإنسان بما أبرمه من عقود وعهود ومواثيق، مع المسلمين وولاة أمرهم، مع الرفق بهم والإحسان إليهم، والرحمة بهم والنصح لهم، إن حسن التعامل بين الناس وانتشار الأخلاق الحسنة من الرفق واللين، والصدق والمحبة، والوفاء بالعهود والمواثيق، واليسر والصفح، والتجاوز والمسامحة والوفاء بالأمانة، وصيانة الأعراض والأموال والدماء، والتناصح والنصرة لهي أساس بناء الأفراد والأسر وصلاح الأمم والمجتمعات وتحقيق السعادة الحقة والترابط الفريد، والتكاتف الأكيد، لذلك تكررت الوصية في القرآن الكريم والسنة النبوية: -(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)- [الفتح/29].
وقال تعالى: -(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)- [الحجرات/10].
وقال: -( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)- [البقرة/83].
وقال تعالى: -( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)- [القصص/77].
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (النصيحة لأئمة المسلمين حب صلاحهم ورشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله عز وجل) انتهى كلامه رحمه الله.
عباد الله:
إن دين الإسلام دين عدل وإنصاف في كل الأمور والمجالات، فكما أن على ولاة أمور المسلمين حقوقا عظيمة، وواجبات جسيمة نحو القيام على الرعية بما يصلح أمور دينهم ودنياهم، فإن لولاة الأمور على الرعية حقوقا أوجبها الإسلام، وأكد على الاهتمام بها ورعايتها والقيام بها، فإن مصالح الأمم والمجتمعات لا تتم ولا تنتظم إلا بالتعاون بين الآمر والمأمور وقيام كل بما يجب عليه من واجبات، وأداء ما حمل من أمانة ومسؤوليات.
ونظرا لأهمية حقوق ولاة الأمور على الرعية، وعظيم ما لهم من حقوق وواجبات، اهتم أهل السنة والجماعة بإيضاحها وبيانها والتأكيد على رعايتها والقيام بها، فمن مظاهر هذا الاهتمام أنهم نصوا على هذه الحقوق في كتب العقائد والتوحيد، وبينوا أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الأمر، هو مقتضى ما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور، إلا أن يأمروا بمعصية فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لهم، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل، ويرون النصح والدعاء لهم وإعانتهم على الحق، وتحريم الخروج عليهم ونزع الطاعة من أيديهم، سواء كانوا أئمة عدونا صالحين، أم كانوا من أئمة الجور والظلم ما دام أنهم لم يخرجوا عن دائرة الإسلام، فإن الصبر على جور الأئمة وظلمهم مع ما فيه من ضرر، فإنه أخف ضررا وأيسر خطرا من ضرر الخروج عليهم، ولهذا جاء الأمر من الشارع بوجوب السمع والطاعة، وتحريم الخروج على الأئمة والولاة وإن جاروا وإن ظلموا.
كما حذر أهل السنة والجماعة من الوقيعة في أعراض المسلمين وأئمتهم، والتنقص لهم أو الدعاء عليهم، لأن هذه الأمور من أسباب وجود الضغائن والأحقاد بين الولاة والرعية، ومن أسباب نشوء الفتن والنزاع في صفوف الأمة.
والواجب على المسلم أن يسعى جهده في الإصلاح بين المؤمنين وجمع كلمة المسلمين، والتأليف بين قلوبهم، لا سيما إن كان من أهل العلم والدعوة، أو ممن له تأثير على قومه ومجتمعه، فإن الواجب عليه في ذلك أكبر، والمسؤولية عليه أعظم، في الحرص على كلمة جمع المسلمين، وتوحيد صفوفهم، والعمل على حصول الإلفة والمحبة بين الولاة والرعية، لما فيه من نفع عظيم للإسلام والمسلمين، فمن ثمرات ذلك ونفعه الأمن في الدور والأوطان، وذلك لا يقدر بثمن لما يغرسه في النفوس من اطمئنان وسعادة، ولما يجلبه لحياة الناس من رخاء واستقرار، وفي هذا كله ضمانة للأمة من نقمتين عظيمتين، الخوف والجوع، واللتين يسلطهما الله على الكافرين الجاحدين لشرعه، المتكبرين عن عبادته.
إن استتباب الأمن تكريم من الله تعالى لعباده المؤمنين، ولذلك قرر الإسلام ما يحفظ ذلك ويديمه على المجتمع المسلم، وحرم الاعتداء على النفوس والأعراض والأموال وإزهاقها وإيذاءها، بل جعل عقوبة من يزهقها الوعيد الشديد تكريما وصيانة لهذه النفس البشرية المسلمة، بل جعل قتلها بدون سبب يبيح ذلك كقتل الناس جميعا قال تعالى: -(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)- [المائدة/32].
وقال تعالى: -(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)- [النساء/93].
وقال تعالى: -(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)- [الأنعام/151].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لو أن أهل السماء وأهل والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» رواه الترمذي( ).
ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودع الأمة في المجمع العظيم يوم عرفة قائلا: «يا أيها الناس أي يوم هذا». قالوا: يوم الحرام. قال: «فأي بلد هذا». قالوا: بلد حرام. قال: «فأي شهر هذا». قالوا: شهر حرام. قال: «فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت» ( ).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب).
«لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» رواه البخاري ومسلم( ).
عباد الله:
إن النصوص من القرآن والسنة متكاثرة في بيان حرمة المسلمين، وعصمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ووجوب الإصلاح بينهم واحترام حق السلطان وطاعته بالمعروف وعدم الإفتيات عليه وعلى أهل العلم.
قال تعالى: -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ)- [النساء/59].
وقال تعالى: -( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)- [المائدة/2].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها». قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله قال: «أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم»( ).
فعلينا أن نحافظ على أمن بلادنا فبالأمن تطمئن النفوس ويأنس الضعيف ويطمئن الخائف، وتعلوا الهمم، وترقى الأمم، فإنه ليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة، وإنما يعرف قدر النعمة من فقدها، ولا يعرف الجاهلية من لا يعرف الإسلام.
[poet font=\"Simplified Arabic,4,black,normal,normal\" bkcolor=\"\" bkimage=\"\" border=\"none,4,gray\" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char=\"\" num=\"0,black\" filter=\"\"]
والحادثات وإن أصابك بؤسها=فهو الذي أنباك كيف نعيمها
[/poet]

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمد سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن طاعته أقوم وأقوى، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واحذروا أسباب سخط الجبار فإن أجسامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شد شد في النار.
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56].
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين.
اللهم قاتل الكفرة من أهل الكتاب، الذين يصدون عن دينك، ويكذبون رسلك، ويعادون أولياءك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وأدر عليهم دائرة السوء، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، يا حي يا قيوم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم. اللهم انصر دينك، وانصر من نصر دينك، واجعلنا من أنصار دينك، يا رب العالمين.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح ووفق ولاة أمورنا، يا ذا الجلال والإكرام
ربنا آتنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 15350


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
5.51/10 (32 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.