في
الأربعاء 8 صفر 1440 / 17 أكتوبر 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

05-17-1429 08:51 AM

خطبة الشيخ عبد الله القرعاوي

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن الوقت هو حياة الإنسان وعمره الذي هو أنفاس تتردد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، فالحياة ما هي إلا دقائق معدودة وثوان محدودة، ولحظات محسوبة وإن طالت في نظر بعض الناس، تمر بالإنسان متوالية متتابعة في ساعات وأيام، وشهور وأعوام، كلما مضى منها شيء ذهب معه العمر، حتى ينتهي ذلك إلى الدار الآخرة، يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: (يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم مضى بعضك).
نعم أيها المسلم: إن الليل والنهار هما رأس مالك في هذه الحياة، ربحهما ثمنه الجنة وخسرانهما جزاءه النار.
[poet font=\"Simplified Arabic,4,black,normal,normal\" bkcolor=\"\" bkimage=\"\" border=\"none,4,gray\" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char=\"\" num=\"0,black\" filter=\"\"]
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق=والليالي متجر الإنسان والأيام سوق
[/poet]

إن الوقت أنفس ما عني الإنسان بحفظه والحرص عليه، فهو أغلى من كل نفيس، لأنه هو الحياة الحقيقية والعمر الباقي، والإنسان يفتدي عمره بكل ما يملك من غال ونفيس، فمن حفظ على نفسه أوقاته في طاعة الله حفظ الله عليه دينه ودنياه، وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، فقد ذكر أنه ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: (يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة).
عباد الله:
الدنيا إنما هي ثلاثة أيام أمس واليوم والغد، فأما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما الغد فلعلك لا تدركه، فاليوم لك فاعمل فيه قبل أن يرتحل فتندم على ذهابه، وهذا صباح اليوم ينعاك ضوءه وليلته تنعاك إن كنت تشعر، ألم ترى أن اليوم أسرع ذاهب وأن غدا للناظرين قريب.
إن بعضا من الناس لا يقيمون للوقت اعتبارا في المحافظة عليه، وحسن استعماله وحسن استغلاله، ترى أحدهم يقضي وقته كيف ما اتفق، وبأي وسيلة تيسرت، ليلهم ونهارهم ضياع ولهو وغفلة، لا في أمر دنيا يشتغلون ولا في أمر آخرة يعملون، يقطعون أوقاتهم بالنوم والكلام الذي لا ينفع، والتقلب في الأسواق والمنتزهات، وغيرها بل إن بعضهم يسطون على أوقات الآخرين ليقطعوها باللهو والباطل، لا يعرفون شرف الوقت ولا قيمة الزمان، قد أضاعوا أعمارهم وهدموا أزمانهم، يمضي أحدهم يومه في عقوق لا قضى حقا ولا أدى فرضا، ولا حصل حمدا ولا اكتسب مجدا، ولا نال شرفا ولا علما، فإذا مضى الزمن سريعا وانقضت أوقات الفراغ رأيتهم يشكون الزمان ويعيبونه، ويتبرمون منه ومن سرعة انقضائه، ولو عقلوا وتدبروا لعلموا أنهم هم الجناة على الزمن، وأن العيب فيهم لا في الزمان، فما لزمانهم عيب لزمانهم. وفي مثل هؤلاء يقول الحسن البصري: (وإن من علامات إعراض الله عن العبد، أن يجعل شغله فيما لا يعنيه خذلانا من الله عز وجل، ولقد أدركت أقواما كان أحدهم أشح على وقته وأحرص منكم على دراهمكم ودنانيركم).
إن الحرص على الوقت والاستفادة منه واستغلال لحظاته وثوانيه، فضلا عن ساعاته وأيامه من علامات التيقظ وأسباب النجاح والفلاح، فإن كل يوم يعيشه المسلم في هذه الحياة غنيمة يجب أن يظفر بها وأن يحسن التعامل معها، ولأجل هذا فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله ابن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»( ).
وقد كان الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي).
فالموفق من حفظ وقته واستغله في الطاعة والعبادة، قبل أن يصير إلى دار يتمنى العودة فيها إلى الأيام الخالية، ليتدارك ما ضيع من أزمان ويصلح ما فرط فيه من أوقات فلا يجاب إلى طلبه، قال تعالى: -(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)- [المؤمنون/99-100] وقال عز وجل: -(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)- [فاطر/37].
عباد الله :
كم هدم بعض الناس من أوقات فراغ لم يستغلوها في طاعة الله، غفل عنها الغافلون المدركون، فوقع فيها الأبناء في السهرات الآثمة، التي قادتهم إلى الفساد والمهلكات، وأوقعتهم في الفواحش والمخدرات، إن هذه الإجازات والعطل إن لم تستثمر في الأمور المباحة والأعمال النافعة المفيدة التي تقلل من أوقات الفراغ وتنظمها، وإلا كانت سببا في هدم الأسر والمجتمعات، وضياع الأبناء والبنات، لأن النفوس إن لم تشغل بالطاعات شغلت بالمعاصي.
وإن البعض تجاه هذه العطل والإجازات كيف يقضونها، أهو في كثرة النوم أم هو في كثرة اللهو واللعب، أتراه في الأفراح والمناسبات، وشهود المهرجانات المستوردة إلى بلاد المسلمين بكل ما فيها من لهو وتجاوزات، أم هو في السفر إلى بلاد الكفار نعوذ بالله من ذلك، والتخلص من المُثُل والقيم والتفريط في الصلوات وقراءة القرآن، والعكوف على ألوان الملاهي والشهوات، أم هو في الإخلال بما امتن الله به من نعمة الليل والنهار بحيث ينقلب الليل نهارا والنهار ليلا، فيقضون الليل في القيل والقال، والضجيج والطنين واللعب واللهو، أو السهر على جملة من القنوات الفضائية التي تعد للعطل عدتها من التنافس في العروض، وبذل الجهود لتكثيف صور الإغراء والافتتان من خلال المشاهد المخزية التي تئد الحياء، وتنقض عرى تلك الأخلاق الحميدة، فتكون بذلك معاول هدم ووسائل إفساد ودمار من حيث يشعر الناس أو لا يشعرون، أم أن الاستغلال الأمثل لهذه العطل والإجازات ليس شيئا من ذلك كله بل هو بالمحافظة على الأوقات، واستغلالها وشغلها جميعا بطاعة الله تعالى وذكره وعبادته، والترويح عن النفس بالمباح الذي أحله الإسلام ورغب فيه، على حد قول الحق سبحانه: -(فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ(7)وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)- [الشرح/7-8]. وعلى حد قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل حنظلة ابن عامر حين شكى إليه ما يتخلل أوقاته من الملاطفة للصبيان والمعاشرة للزوجات: «يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً»( ).
عباد الله:
إن الإسلام جعل للنفس شيئا من الترويح المباح المنضبط بشرعة الإسلام، وهي مأجورة عليه إن حسن القصد، وقصد منه التقوِّي على طاعة الله، كما قال الصحابي الجليل معاذ ابن جبل رضي الله عنه: (إني لأحتسب على الله نومتي كما أحتسب قومتي)( ).
كما كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يروحون عن أنفسهم بالمباحات، فلا يقصرون في شيء من حقوق الله تعالى، ثم إذا جد الجد كانوا هم الرجال، فرسانا بالنهار، رهبانا بالليل، قال تعالى: -(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)- [النور/37]. وبهذا تميز الإسلام عن غيره من الشرائع بأنه دين السماحة واليسر.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن من نعم الله على العباد في هذه الحياة ما أوجد لهم من الأوقات والأزمان التي هي فرصة عظيمة لتحقيق الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ولأجل هذا امتن الله على عباده بهذه النعمة في كتابه الكريم في مواضع متعددة، يقول جل ثناؤه: -(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)- [يونس/67] وقال عز وجل: -(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)- [النحل/12] وقال عز وجل: -(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)- [الفرقان/62].
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56]. وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا فقد قال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»( ).
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واحمي حوزة الدين.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح ووفق ولاة أمورنا، اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم، يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اصرف عنا وعن جميع المسلمين شر ما قضيت.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأولادنا ولأزواجنا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 10520


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (34 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.