في
الأربعاء 5 ذو القعدة 1439 / 18 يوليو 2018

جديد الخطب المكتوبة والرسائل
جديد الكتب
جديد الفتاوى
جديد الصوتيات

التمسك بالسنة
05-16-1429 06:32 PM

خطبة الشيخ عبد الله القرعاوي

الحمد لله القاهر فوق عباده، الناصر لمن ينصره، خلق الخلق فمنهم كافر ومنهم مؤمن، قسمة قسمت فكتمت، غير أن للسعادة والشقاوة عنوانا، فطوبى للذين إذا ذكروا بآيات ربهم زادتهم إيمانا، وويل للذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صما وعميانا، فسبحانه من إله قسم عطاءه بين خلقه إعطاء ومنعا، ووصلا وقطعا، وتوفيقا وحرمانا، أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له توحيدا وإيمانا، شهادة تكون لشاهدها في الآخرة أمانا، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله أرسله يكسر أصناما ويهدم أوثانا، ويهدي ضلالا ويبصر عميانا، ويدعو إلى التوحيد سرا وإعلانا، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين كانوا له على الحق أنصارا وأعوانا.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى واعلموا أن معرفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واجبة لحديث: «إذا وضع الميت في قبره يسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم».
فواجب على العبد أن يعرف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويحبه وينصره، ويعزره ويوقره، ويتبعه ولا يقدم على قوله قول أحد من الناس.
قال عز وجل: -(لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)- [الفتح/9] وصحابة رسول الله رضي الله عنهم وأرضاهم حازوا شرف الصحبة للنبي الكريم محمد عليه الصلاة والتسليم، فكان لهم النصيب الأوفى في محبته وتعظيمه واتباع هديه، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه، حتى نالوا عظيم الفضل والأجر، وحازوا جميل الثناء والذكر، -(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)- [الفتح/18].
رباهم النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وصقل نفوسهم وهممهم بالقرآن، وهذب قلوبهم وطباعهم بالتوحيد والزهد، حتى كان الواحد منهم يستجيب لله والرسول دون سؤال أو تردد ولو كان في هذا إزهاق حياته أو ذهاب أهله وماله، أمرهم صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة، فلبوا طائعين مرتين مرة للحبشة، والأخرى للمدينة، وخرجوا في سبيل الله تاركين ديارهم وأهلهم وأموالهم -( يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)- [الحشر/8].
وأمرهم بالجهاد والقتال في سبيل الله فبذلوا أرواحهم ودماءهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله تعالى، وجاءوا إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم يحكمونه في أموالهم وأنفسهم وهم يقولون: هذه أموالنا بين يديك يا رسول الله فاحكم فيها بما شئت، وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ما تخلف منا أحد، إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، فامض بنا يا رسول الله حيث شئت
وأمرهم صلى الله عليه وسلم بالصلاة والحج والصيام وسائر العبادات، وترك ما كان يفعله الآباء والأجداد من الفواحش والمعاصي والعادات والتقاليد التي لا يرضاها الإسلام، فاستجابوا جميعا ما تخلف منهم أحد ولا تلكأ، مع ما فيها من مخالفة المألوف الذي عاشوا عليه ردحا من الزمان.
ولما نزل تحريم الخمر في الإسلام، وكانت مشروب العرب قبل الإسلام، ينشدون فيها الأشعار، ويضربون في حبها الأمثال، كسر الصحابة رضي الله عنهم دنان الخمر وقاءو ما في أجوافهم وبطونهم، وهم يقولون: (انتهينا ربنا انتهينا)( ).
ولما نزل تغيير القبلة للصلاة من بيت المقدس إلى البلد الحرام مكة، وبلغ الخبر بعض الصحابة وهم في الصلاة استداروا إلى بيت الله الحرام دون تأخر، في أعظم مثل للاستجابة لله تعالى ولرسوله، وتنفيذ أمر الله وأمر رسوله بدون تردد
ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من الأنصار إلى أبيها لجليبيب رضي الله عنه، وكان جليبيب قصيرا دميما، فقيرا من فقراء الأنصار، ولكنه كان رجلا مؤمنا صادقا مجاهدا، محبا لله ورسوله، والله عز وجل لا ينظر إلى صور العباد وأموالهم ولكنه ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم، فانطق الأنصاري إلى امرأته فذكر لها ذلك، فكأن الأنصاري وامرأته كرها ذلك فأبيا، فسمعت الجارية بما أرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لأبويها: أتريدان أن تردا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، ثم تلت عليهما قول الله عز وجل: -(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)- [الأحزاب/36] فكأنما جلت عن أبويها، فقالا: صدقت) الحديث( ).
ولما آتى أبو سفيان ابن حرب إلى المدينة وكان مشركا، قبل أن يسلم رضي الله عنه، يستعطف النبي صلى الله عليه وسلم أن يمده في الهدنة التي كانت بينه وبين المشركين، فيدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الجلوس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني فتقول رضي الله عنها: (هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه).
وهكذا كان الصحابة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم والتابعون من سلف هذه الأمة، متبعين لأمر الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، عاضين عليهما بالنواجذ، حذرين من محدثات الأمور والبدع والضلالات، لا يقدمون على أمر الله وأمر رسوله قولا ولا رأيا ولا أحدا.
روى الحافظ ابن الكثير رحمه الله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جهز بعثا لأسامة ابن زيد وأمرهم بالمسير إلى تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل قادة النبي صلى الله عليه وسلم في معركة مؤتة، زيد ابن حارثة وجعفر ابن أبي طالب وعبد الله ابن رواحة رضي الله عنهم وأرضاهم، فخرج بعث أسامة، حتى خيموا خارج المدينة ينتظرون تمام عددهم وعدتهم، فمات المصطفى صلى الله عليه وسلم، وخرج المنافقون، وارتدت بعض قبائل العرب عن الإسلام، ومنع آخرون الزكاة، فاشتد الحال بالصحابة رضي الله عنهم حتى أشاروا على أبي بكر الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة، وأن يوجهه لقتال المرتدين، والدفاع عن المدينة مأرز الإسلام والإيمان، فامتنع الصديق رضي الله عنه وأبى إلا أن ينفذ جيش أسامة حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال قولته المشهورة: (والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير والسباع تخطفنا من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين)، فأمرهم بالخروج حيث أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فساروا في سبيل الله لا يمرون على حي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة من شديدة، فقاموا أربعين يوما أو سبعين ثم رجعوا إلى المدينة سالمين، قد أرهبوا الأعداء وقذفوا في نفوسهم الرعب والخوف من المسلمين، فكان من بركة تعظيم الصديق رضي الله عنه وأرضاه لأمر رسول الله وتنفيذه أن تم له ما أراد، وأرهب قبائل العرب المرتدة، فعاد كثير منهم إلى الإسلام، وأيقنوا أن المصطفى قد ترك وراءه رجالا شجعانا لا يهابون الموت، ولا يخالفون أمر الله وأمر رسوله، ولا يرضون بالذل والهوان والرجوع إلى الكفر وعبادة الأوثان).
ويقول ابن القيم رحمه الله: (كان عمر ابن الخطاب يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى عنه وتركه).
وحدث الحميدي أحد أصحاب الإمام الشافعي رحمه الله قال: كنا عند الشافعي فأتاه رجل فسأله في مسألة فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله فقال: (سبحان الله تراني في كنيسة تراني في بيعة ترى علي وسطي زنارا أقول لك: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وتقول: ما تقول أنت).
وجاء رجل إلى الإمام مالك رحمه الله فقال له: من أين أحرم بالحج قال: (من الميقات الذي وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحرم منه) قال: فإن أحرمت من أبعد منه قال: (أخشى عليك الفتنة) قال: وأي فتنة في ازدياد الخير فقال الإمام مالك: (إن الله تعالى يقول: -( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)- [النور/63] وأي فتنة أعظم من أنك خصصت نفسك بفضل لم يختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم).
قال الإمام أحمد ابن حنبل: أتدري ما الفتنة، الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك).
فاتقوا الله أيها المسلمون في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومخالفة أمره صلى الله عليه وسلم، أو ترك سنة، فإن التسليم لأمره صلى الله عليه وسلم وتعظيم سنته هو البركة والفلاح للمسلمين جميعا إلى يوم القيامة، -(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)- [النساء/115].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من ترك سنته وهجرها، وبين أن التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله هما المخرج من الفتن والمنقذ من الهلاك، وأنه ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم يرى بعدي إختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»( ).
وقال سهل ابن عبد الله رحمه الله: (عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان، إذا ذكر الإنسان النبي صلى الله عليه وسلم والإقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه وأذلوه وأهانوه).
فاتقوا الله: عباد الله:
واعلموا أن التمسك بالسنة أجره عظيم وفضله كبير، لا سيما مع فساد الزمان، وكثرة الشبهات والأهواء، والشهوات التي يكون فيها القابض على دينه كالقابض على الجمر، فإن ذلك من أفضل القربات عند الله.
عباد الله:
-(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)- [الأحزاب/56] وأكثروا عليه من الصلاة يعظم لكم ربكم بها أجرا فقد قال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»( ).
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد،وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدائك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واحمي حوزة الدين.
اللهم إنا نعوذ بك من شر اليهود والنصارى والرافضة اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندربك اللهم في نحورهم.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، وأصلح ووفق ولاة أمورنا، اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم، وسددهم في أقوالهم وأفعالهم، اللهم واجمع شملهم وشمل المسلمين على الهدى يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولأولادنا ولأزواجنا. ولجميع المسلمين والمسلمات. والمؤمنـين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
-(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)- [الصافات/180-182].

تعليقات 0 | إهداء 2 | زيارات 11433


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.01/10 (34 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.