الشمس والقمر آيتان عظيمتان، ومخلوقان بديعان، يسخرهما الله تعالى لحكم عظيمة، وأسرار عديدة، وفوائد جمة، قال تعالى: -(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)- [يونس/5] وقد أحكم الله تعالى خلقها ونظم سيرها فهي في حركة دائبة وسير منتظم قال تعالى: -( -(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ(39)لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)- [يس/38-40].
لو اقتربت الشمس إلى الأرض، لأحرقت كل ما في الأرض، ولو ارتفعت لتجمد كل ما في الأرض، قال الله تعالى: -(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ(71)قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)- [القصص/71-72].
إن أهل الجاهلية كانوا يظنون أن موت العظماء يؤثر على حركة الكواكب وسيرها، فجاء الله بالإسلام، فبين أن الشمس والقمر مخلوقان من مخلوقات الله، الدالة على عظمته، والمؤكدة لوحدانيته، وأن العبادة والسجود لا تكون إلا لخالقها وموجبها جل جلاله، وتقدست أسمائه، وبين صلى الله عليه وسلم بطلان توهم بعض الناس من أن كسوف الشمس قد يكون بسبب موت أحد، حتى ولو كان ابنه إبراهيم عليه السلام.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلاَةِ».
فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حدث الكسوف في زمنه فزع إلى الصلاة، وبادر إلى المسجد، وأسرع إلى العبادة والدعاء والخشوع والانطراح بين يدي ربه جل وعلا، فصلى صلاة عظيمة، وخطب خطبة بليغة، وسن لأمته أن يفعلوا ذلك عند كسوف الشمس وخسوفها، فالمؤمن إذا رأى ذلك خاف من الله ومن بطشه، ولم يأمن عذاب الله وعقوبته، فصلى ودعا ربه وتصدق وأعتق، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله يرسل الآيات تخويفاً وتذكيرا، ويبعث النذر تنبيهاً وتحذيرا، لتتحرك بها المشاعر، وتهتز بها النفوس، وتطرد بها الغفلة و يتذكر بها.
أما إذا اتخذت الآيات هزوا، والنذر أمورا اعتيادية، والحوادث وقائع طبيعية، ينظر إليها للتسلية، وتراقب للإعجاب، وترصد للذكرى، وتكتب للتاريخ، دون وجل للقلوب، أو ادكار للنفوس أو عبرة لأولي الألباب، أو انطراح للعزيز الوهاب، فقد أظلمت القلوب، ورانت عليها الذنوب، وتبلدت الأحاسيس، فيجب على المؤمن أن يكون دائما الحذر، شديد الخوف من الله، متيقظ المشاعر، متوقد الأحاسيس، يخشى بطش الله، ويخافُ عقوبته، ويعتبرُ لآياته، وينتبه لنذره، فإن من خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة.