قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ «هَذِهِ سُبُلٌ -قَالَ يَزِيدُ- مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ: -(وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)- [الأنعام/153].
إن طريق النجاة هو التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يتم ذلك إلا بالابتعاد عن البدع والخرافات، ولقد ذم الله تعالى الطرق المنحرفة المبتدَعة التي جعلت المؤمنين شيعاً وأحزاباً وشتت شملهم، قال عز وجل: -(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)- [الأنعام/159].
فإن البدع مُبعِدة عن الله، مقَرِّبة من الشيطان، مفَرِّقة لصفوف المسلمين، محبطة للأعمال، والشيطان نعوذ بالله منه أفرح بصاحب البدعة من صاحب المعصية لأن المبتدع يرى أنه على صواب وأن غيره على خطأ، والعاصي يرى أنه على خطأ ويستغفر الله ولا يدعوا غيره إلى معصيته في الغالب.
وإنما كانت البدع مردودة على من عملها، لأن إحداث البدع يفهَم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ عن ربه ما ينبغي للأمة أن تعمل به مما يقربها إلى الله، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه عن ذلك وهو الموصوف بقول الله عز وجل: -(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)- [التوبة/128].
ليس هناك إلا طريقان: طريق الهدى وطريق الهوى، قال الله عزَّ وجلَّ لرسوله صلى الله عليه وسلم: -(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)- [القصص/50].
فمن اتبع هواه وعبد الله بمستحسنات العقول والأهواء وخالف ما جاء به الرسول المصطفى فهو معاند للشرع مُشاقٌّ لله ولرسوله، لأنه يستدرك على الشريعة ويزعم أنها غير تامة، وأنه ببدعته تلك يكملها، أخرج الإمام أحمد والبزار من حديث غُضيف ابن الحارث مرفوعا "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة وما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة".
والمبتدعة من أكسل الناس عن الطاعة وأكثرهم بغضاً للسنة وبعداً عن الملة، وإنما نشاطهم كله في إحياء البدع، والبحث عن الأحاديث الموضوعة، والقصص المخترعة والمنامات الملفقة المكذوبة، التي تؤيد ما ذهبوا إليه من بدع ومستحسنات، فإذا ذكِروا بالكتاب والسنة أعرضوا عنهما وأولوهما على غير المراد منهما وعلى غير معناهما الصحيح، ولقد جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى فقال: من أين أحرم بالحج قال: من الميقات الذي وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحرم منه فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد من ذلك فقال الإمام مالك: لا أرى ذلك فقال الرجل: وما تكره من ذلك قال: أكره عليك الفتنة قال الرجل: وأي فتنة في ازدياد الخير فقال مالك: "إن الله تعالى يقول: -(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)- [النور/63] وأي فتنة أعظم من أنك خصصت نفسك بفضل لم يختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن كثير رحمه الله: على قوله سبحانه وتعالى: -(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ*عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ*تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً)- [الغاشية/2-4] قال: "هذه عامة في كل من عَبدَ الله على غير طريق الحق يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود" .
وقال الحسن البصري رحمه الله: "لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا حجاً ولا عمرة حتى يدع بدعته" .
وقال محمد بن مسلم رحمه الله: "ومن وقَّرَ صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام".